مع اقتراب نزاع الصحراء من نصف قرن، يدخل الملف منعطفاً حاسماً على وقع حراك دبلوماسي متسارع تقوده الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، لتجاوز منطق الجمود والانتقال نحو صيغة جديدة داخل أروقة الأمم المتحدة، قوامها الاعتراف بالحكم الذاتي المغربي باعتباره الحل الواقعي والوحيد الممكن.
منذ إحداث بعثة “المينورسو” سنة 1991، ظل الاستفتاء في الصحراء مجرد شعار معلّق في الهواء، بعدما اصطدم بخلافات عميقة حول تحديد الهيئة الناخبة وغياب أي توافق سياسي حقيقي. ومع توالي السنوات، تبلورت قناعة راسخة لدى مجلس الأمن بأن خيار الانفصال غير واقعي ولا قابل للتنفيذ، وهو ما عبّر عنه بوضوح المبعوث الأممي الأسبق بيتر فان فالسوم سنة 2008.
اليوم، يظهر في الكواليس مشروع جديد يحمل اسم “مانساسو” (Mission d’Assistance pour les Négociations sur le Statut d’Autonomie du Sahara Occidental)، يرمي إلى تحويل تفويض البعثة الأممية من مجرد مراقبة وقف إطلاق النار إلى القيام بدور محوري في دعم المفاوضات وتيسير تنزيل الحكم الذاتي.
التحركات الأميركية الأخيرة تشي بتحول استراتيجي في موقف واشنطن، التي لم تعد تكتفي بالدعم السياسي التقليدي، بل انتقلت إلى بلورة رؤية عملية لإنهاء النزاع. فقد قام المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، مسعد بولوس، بجولات دبلوماسية في باريس والجزائر حاملاً رسائل واضحة: زمن الاستفتاء انتهى.
ولم يكن عبثاً أن يزور وفد أميركي رفيع مدينة العيون ويجتمع برئيس بعثة “المينورسو”، في خطوة تعكس انسجام الموقف المغربي مع المقاربة الدولية الجديدة، وتفتح الباب أمام إعادة هيكلة البعثة الأممية بما ينسجم مع مشروع “مانساسو”، حيث يصبح الحكم الذاتي المرجعية الوحيدة للحل.
الأنظار تتجه نحو نيويورك، حيث سيجتمع مجلس الأمن في أكتوبر المقبل لبحث مستقبل البعثة. فإذا تمكن مقترح “مانساسو” من حصد تسعة أصوات على الأقل من دون أن يواجه الفيتو، فسيكون ذلك إعلاناً عملياً عن طي صفحة الاستفتاء واعتماد الحكم الذاتي كأفق نهائي للحل. أما إذا اكتفى المجلس بتجديد ولاية “المينورسو”، فإن الملف سيبقى رهين الجمود الذي يطبع مساره منذ عقود.
في المقابل، ما تزال الجزائر متمسكة بخطاب متجاوز يردد مطلب الاستفتاء، فيما تحاول جبهة البوليساريو، وقد فقدت معظم بريقها الدبلوماسي، استجداء بعض المنظمات غير الحكومية للدفع نحو توسيع ولاية الأمم المتحدة لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، في محاولة يائسة لإحياء خيار تجاوزه الزمن.
المشهد اليوم أكثر وضوحاً : المغرب ماضٍ بخطى ثابتة في ترسيخ مشروع الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد الممكن، بينما تصر “جمهورية الخيام” على أوهام الماضي، وتواصل الجارة الشرقية استنزاف مواردها في معركة خاسرة. العالم تغيّر، ومجلس الأمن بدوره يتهيأ لتغيير قواعد اللعبة.
لقد أثبت التاريخ أن الخيام لا تبني دولة، وأن الشعارات لا تصنع سيادة. ومع كل تحول دولي، يتأكد أن نزاع الصحراء لم يكن سوى ورقة بيد نظام مأزوم في الجزائر، وأن ساعة الحقيقة قد اقتربت: إما اعتراف جماعي بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أو استمرار عزف نشاز من عاصمة غارقة في أزماتها.
وبين رمال الصحراء الممتدة وأروقة نيويورك، يتشكل مشهد جديد: المغرب في موقع قوة ورؤية استراتيجية، بينما خصومه يزدادون عزلة، في انتظار إسدال الستار على مسرحية استمرت نصف قرن.
31/08/2025