فارقت الروسية ماريا كولتاکوفا، أو كما لقّبها العالم بـ”الجدة الفولاذية”، الحياة عن عمر 104 سنوات، حاملة معها إرثًا من البطولة لا يُمحى، ليس فقط لأنها أنقذت أكثر من 300 جندي خلال الحرب العالمية الثانية، بل لأنها جسدت روح المقاومة التي لا تعرف الاستسلام، حتى أمام آلة الحرب الإمبريالية الأكثر فتكًا.
ومن منظور مغربي، يثير رحيلها تأملًا عميقًا في تاريخ البشرية والعدوانية الإمبريالية: فرنسا وإسبانيا، اللتان فرضتا الحماية على المغرب في مطلع القرن العشرين، لم تكتفيا بنهب الثروات وسرقة التاريخ، بل حاولتا إخضاع الشعوب لقوانين القوة والعنف، مستغلتين الحرب العالمية الأولى والثانية لتثبيت نفوذها في المنطقة. الحرب العالمية الأولى فتحت الباب أمام تعزيز السيطرة الفرنسية على شمال المغرب، بينما الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد صراع عالمي، بل فرصة لإعادة ترتيب خريطة النفوذ الاستعماري على حساب إرادة الشعوب.
ماريا كولتاکوفا لم تكن جزءًا من هذه اللعبة الإمبريالية، لكنها، كما المقاومون المغاربة، أظهرت أن البطولة الحقيقية تكمن في الدفاع عن الإنسان والكرامة، لا في صفقات النفوذ والسيطرة على الشعوب. لقد حاربت النازية، لكن نموذج مقاومتها يعكس درسًا عالميًا: مهما عظمت قوة الإمبراطوريات، تبقى الإرادة الحرة للشعوب سلاحها الأقوى، وعنفوانها التاريخي أكثر صلابة من كل الجيوش والميليشيات.
وفي المغرب، حيث لا تزال الذاكرة الشعبية تحفظ بطولات المقاومين ضد الحماية الفرنسية والإسبانية، مثل الشريف محمد أمزيان الزعيم الخطابي، وحمو موحى الزياني، وآخرون، تشكل قصة “الجدة الحديدية” صدىً عالميًا يثبت أن البطولة ليست محصورة بأرض أو شعب، وأن الإنسان قادر على مواجهة الطغيان بأي شكل كان، سواء كان نازيًا أو استعمارياً.
رحيل ماريا كولتاکوفا يترك درسًا مزدوجًا: من جهة، يُذكّر العالم بأن التاريخ يُكتب بالدماء والتضحيات، ومن جهة أخرى، يسلط الضوء على هشاشة الإمبراطوريات، مهما بدا حجمها مرعبًا، أمام إرادة الأبطال الحقيقية. وهكذا، من قلب الحروب العالمية إلى قلوب المقاومين المغاربة، تتقاطع البطولات لتؤكد أن الحرية والكرامة لا تُشترى ولا تُفرض، بل تُنتزع بإرادة صلبة لا تعرف الانكسار.
31/08/2025