في خطوة تكشف حساسية النظام الجزائري تجاه كل ما يُعيد فتح ملف الحدود التاريخية مع المغرب، أقدمت السلطات الجزائرية، اليوم الجمعة، على اعتقال الصحافي المخضرم سعد بوعقبة (80 عاماً)، أحد أبرز الأقلام الصحفية في البلاد، وذلك بتهم تتعلق بـ”نشر معلومات كاذبة ومضللة، وإهانة رموز الدولة وشخصيات حرب الاستقلال”. ويأتي هذا الإجراء عقب تصريحات أدلى بها بوعقبة في مقابلة صحفية، أكد فيها دعمه الواضح لمغربية الصحراء الشرقية، قبل أن يكشف معطيات تاريخية محرجة حول مسار قادة جبهة التحرير الوطني، بما في ذلك اقتسامهم أموالاً في سويسرا بعد نهاية الثورة.
بوعقبة، الذي ذاع صيته لعقود بعموده الشهير “نقطة نظام” في صحيفة الخبر، روى في حديثه تفاصيل تعود إلى بدايات ستينيات القرن الماضي، حين طلب الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر دعم مبدأ “الحدود الموروثة عن الاستعمار”، وهو نفس الطلب الذي وُجّه حينها إلى قادة غانا وغينيا. وأوضح أن الجزائر كانت، خلال تلك المرحلة، غير قادرة على إعلان موقف صريح بسبب النزاع الحدودي القائم مع المغرب. كما ذكّر بأن بن بلة نفسه كان قد أعلن قبل الاستقلال سنة 1962 دعمه لمغربية الصحراء الشرقية، معبّراً عن غضبه الشديد من التجارب النووية الفرنسية التي استهدفت أراضي مغربية في الجنوب الشرقي.
ويُعدّ بوعقبة أحد أبرز الوجوه الإعلامية في الجزائر؛ إذ يمتلك تجربة تمتد لأكثر من نصف قرن، وتميّز بأسلوبه الجريء وانتقاداته اللاذعة للطبقة السياسية، إضافة إلى مشاركته الفاعلة في الحراك الشعبي ومعارضته للانتخابات التي نظمتها السلطة منذ نهاية 2019. غير أن جرأته الصحفية وضعته مجدداً في مواجهة مباشرة مع السلطات، إذ أُحيل على المحاكمة الفورية بتهمة “المساس برموز الثورة”، إلى جانب الصحافي عبد الحق لعلق من قناة “رؤية”، الذي أجرى معه سلسلة من الحوارات التي تضمّنت التصريحات المثيرة للجدل. وقد تم الإفراج عن لعلق مؤقتاً، فيما تستمر متابعته بتهم سابقة تتعلق بـ”التحريض على الكراهية” ونشر مواد تُهدد “المصلحة الوطنية”، استناداً إلى القانون العقابي الجديد لسنة 2021.
وجاء توقيف بوعقبة بعد شكوى رفعتها وزارة المجاهدين، ليقرر قاضي التحقيق إيداعه الحبس الاحتياطي وتحديد خامس دجنبر موعداً للمحاكمة. ويُذكر أن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال سبق أن تعرض بدوره للسجن لمدة عام بسبب تصريحات مماثلة أدلى بها لوسيلة إعلام فرنسية، أكد فيها أن الصحراء الشرقية تعود تاريخياً إلى السيادة المغربية، ما يعكس حساسية النظام الجزائري تجاه أي طرح يعيد النقاش حول الحدود الموروثة عن الاستعمار أو يشكك في الرواية الرسمية بخصوص الأراضي التي اقتُطعت من المغرب خلال الحقبة الاستعمارية.
في ظل هذا السياق المتوتر، يُعيد اعتقال بوعقبة فتح ملف تاريخي ظلّ النظام الجزائري يتجنّب مناقشته، بينما يتنامى في الداخل الجزائري صوتٌ معارض يرى أن فتح النقاش حول الصحراء الشرقية أصبح مسألة وقت، خاصة في ظل تراكم الحقائق التاريخية وتنامي وعي الأجيال الجديدة، إضافة إلى أن الوثائق والمواقف التي أشار إليها بوعقبة وبوعلام صنصال تعيد تسليط الضوء على حقيقة ثابتة: أن الحدود الحالية ليست سوى إرث استعماري حمل ظلماً كبيراً للمغرب.
29/11/2025