مع اقتراب قطار انتخابات 2026، يدخل المغرب مرحلة سياسية تبدو وكأنها اختبار حقيقي لقدرة النظام الحزبي على إعادة ابتكار نفسه. الشارع يرفع سقف التطلعات، والانتظارات تتراكم، بينما تتعالى الدعوات لإنتاج مشهد سياسي أكثر نضجاً وجرأة، يواكب التحولات الاجتماعية المتسارعة ويستجيب للتوجيهات الملكية المتكررة بشأن تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
خلال الأشهر الأخيرة، تحولت الساحة السياسية إلى ورشة مفتوحة. الحديث عن تجديد النخب لم يعد ترفاً، بل مطلباً مجتمعياً ملحّاً، خاصة مع الإصرار على توسيع مشاركة الشباب والنساء وإعادة بناء جسور الثقة بين المجتمع والمؤسسات. وفي قلب هذه الدينامية، يبرز شعور عام بأن الأحزاب مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم عرض سياسي جديد ينسجم مع انتظارات المواطنين.
وفي خضم هذه الحركة، يعود النقاش الحاد حول القاسم الانتخابي ليتصدر المشهد. حزب العدالة والتنمية كان الأكثر تشدداً في مواجهة الصيغة الحالية التي تقوم على عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدل الأصوات الصحيحة. وقد أعاد الفريق البرلماني للحزب موقفه الرافض خلال مناقشة تعديل القانون التنظيمي رقم 27.11، معتبراً أن هذا النظام “استثناء غير ديمقراطي” لا يستقيم مع التجارب الدولية ولا مع روح الدستور.
الحزب يرى أن احتساب النتائج على أساس عدد المسجلين يشوّه جوهر التمثيل النسبي، ويُقحم غير المصوتين والمقاطعين في معادلة توزيع المقاعد، ما يجعل النتائج النهائية أقرب إلى الحسابات الإدارية منها إلى التعبير الحر عن الإرادة الشعبية. كما يؤكد أن هذا الأسلوب يتعارض مع مبادئ الإنصاف والشفافية التي يُفترض أن تشكل أساس العملية الانتخابية.
لكن الصورة لا تكتمل دون الإشارة إلى الجبهة الأخرى: أحزاب تعتبر أن النظام الحالي لا يعكس وزنها الحقيقي، وتدفع نحو تعديل القاسم الانتخابي بحثاً عن فرص أكبر لتحسين تمثيليتها داخل المؤسسات المنتخبة. وتستند هذه القوى إلى أن إصلاح قواعد اللعبة الانتخابية شرط لإعادة التوازن إلى المشهد السياسي ومنع إعادة إنتاج الخرائط نفسها في كل استحقاق.
وبين هذا وذاك، يترقب الرأي العام ما ستسفر عنه نقاشات الأسابيع المقبلة، وسط قناعة متزايدة بأن انتخابات 2026 ستكون محطة فاصلة. الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتوزيع المقاعد، بل بكيفية إعادة بناء الثقة في العملية السياسية، وفتح المجال أمام نخب جديدة، وتعزيز مسار الإصلاح الديمقراطي بما يليق بتطلعات المغاربة.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستفرز المرحلة المقبلة قواعد أكثر عدلاً وشفافية قادرة على ضخ دماء جديدة في الممارسة السياسية؟ أم سيظل النقاش حول القاسم الانتخابي عنواناً لصراع تقليدي يعيد إنتاج المشهد نفسه؟
الجواب سيظهر مع اقتراب موعد صناديق 2026، لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن المغرب يقف بالفعل على أعتاب لحظة سياسية مختلفة.
29/11/2025