في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في إقليم الحسيمة، يعود ملف هدم مسجد جماعة بني حذيفة إلى الواجهة بعد أكثر من عقدين على القرار الذي اتخذه أكومي الرئيس الأسبق للجماعة سنة 2004، حين أقدم على هدم المسجد وسط استغراب الساكنة، قبل أن تتم لاحقاً عملية بيع الأرض لخالد أحرشي عضو جهة الشمال، وهو شخص معروف في المنطقة، والذي يعد من كبار مزارعي القنب الهندي تحت غطاء تعاونيات مرخصة، ويُشتبه في تزويده شبكات تهريب بالمادة بعد تحويلها إلى حشيش، وهي الاتهامات التي لم يصدر بشأنها أي حكم قضائي يدين المعني بالأمر، لكنها راسخة في الذاكرة الشعبية للمنطقة وتتناقلها الألسن منذ سنوات.
القضية تعقّدت أكثر حين دخلت وزارة الأوقاف على الخط، رافعةً دعوى قضائية ضد الجماعة سنة 2007 تطالب فيها بإعادة المسجد إلى وضعه الطبيعي باعتباره ملكاً حبسيّاً.
وقد كسبت الوزارة الدعوى ابتدائياً، قبل أن تستأنف الجماعة القرار دون جدوى، ليصبح الحكم نهائياً سنة 2014 ويقضي بإعادة بناء المسجد في موقعه الأصلي وعلى جزء من قطعتين أرضيتين اعتبرتهما المحكمة جزءاً من الملك الإسلامي المخصص للعبادة. ومع ذلك، لم يُنفَّذ الحكم، وبقيت الأرض مسجلة باسم الراحل والد خالد أحرشي، لتنتقل الملكية إلى الورثة، ويستمر النزاع دون حسم بينما يتمسك السكان بحقهم في عودة المسجد إلى مكانه.
مصادر محلية تتحدث عن أن خالد احرشي يرفض إعادة الأرض رغم تدخل وسطاء من داخل الجماعة وخارجها لمحاولة إنهاء الملف، ورغم الحكم القضائي، وهو ما أثار استياءً واسعاً بين السكان الذين يعتبرون أن هذا الرفض يشكل تحدياً صريحاً لمنطوق الحكم .
وتضيف المصادر ذاتها أن المعني بالأمر يفاخر بمعرفته بشخصيات نافذة قادرة “بحسب زعمه” على التأثير في مجرى الملف أو تغيير منطوق الحكم ، وهو ما اعتبره عدد من المتتبعين نوعاً من “التهوّر المبني على خليط من الجهل والمال”، حسب تعبيرهم.
وفي تطور أكثر حساسية، تتحدث أوساط داخل الجماعة عن محاولات يقودها المعني بالأمر رفقة الرئيس الأسبق للجماعة، تروم إرشاء خبير قضائي من أجل تغيير التصميم الذي يحدد الموقع الملزم لإعادة بناء المسجد، والبحث عن صيغة تنقل البناء إلى مكان آخر حتى لا يُحسب إعادة المسجد كانتصاراً للساكنة التي دخلت في صراع اجتماعي وسياسي مع اكومي وأحرشي منذ سنوات، وهو صراع تقول بعض المصادر إنه تحوّل من نزاع بسيط حول أرض إلى معركة سياسية كاملة الأركان.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو دخول البُعد الانتخابي على الخط، إذ كشفت مصادر مطلعة عن ضغوط يمارسها أحرشي من أجل ترشيح ابنه البالغ 28 سنة للانتخابات البرلمانية المقررة صيف 2026، مستفيداً من شبكة علاقات واسعة تنسجها العائلة داخل المنطقة منذ سنوات مع تجار القنب الهندي. وتشير المصادر إلى أن الابن يتحضر فعلياً لدخول السباق الانتخابي في دائرة الحسيمة، معتمداً على نفوذ والده المالي وعلاقاته المتشابكة مع فاعلين محليين، في وقت يصفه البعض داخل الوسط السياسي بـ”المستفيد من شبكة انتخابية غير مرئية” تتحرك بذكاء في جماعات مختلفة بالحسيمة .
وفي ظل كل هذه التطورات، يتمسك سكان الجماعة بمطلب واحد لا يقبل عندهم النقاش: تنفيذ الحكم القضائي وإعادة بناء المسجد في مكانه الأصلي. فبالنسبة لهم، القضية ليست نزاعاً عقارياً ولا صراعاً سياسياً، بل مسألة كرامة جماعية وحق ديني لا يجب أن يكون موضوع مساومة أو صفقات في دهاليز السياسة والانتخابات.

