kawalisrif@hotmail.com

ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا … ملف سيادي تتقاطع فيه الجغرافيا والقانون وموازين القوة

ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا … ملف سيادي تتقاطع فيه الجغرافيا والقانون وموازين القوة

يتعامل المغرب وإسبانيا مع ملف ترسيم حدودهما البحرية في المتوسّط والأطلسي باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين، إذ تتقاطع فيه قواعد القانون الدولي للبحار مع الاعتبارات السيادية المرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة، ولا سيما ما يتعلق بسبتة ومليلية المحتلتين والأقاليم الجنوبية. ورغم أن الملف يبدو في ظاهره تقنيًا، إلا أن خلفيته السياسية تظل حاضرة بقوة، خصوصًا مع تغير مواقف الحكومات الإسبانية التي لم تعد تعتمد الخطاب التقليدي الحاد حول “إسبانية” المدينتين، مقابل تمسّك المغرب برؤية واضحة تعتبرهما جزءًا من أراضيه الخاضعة لاحتلال أجنبي.

وقد انضمت إسبانيا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1997، بينما صادق المغرب عليها سنة 2007 مع التأكيد الصريح بأن توقيعه لا يعني الاعتراف بأي واقع استعماري مفروض على مناطقه الشمالية والجنوبية. ويستند الجدل القائم بين البلدين إلى قاعدة “خط الوسط” التي يعتمدها القانون الدولي لترسيم البحر الإقليمي بين الدول ذات السواحل المتقابلة، غير أن المغرب يؤكد أن مبدأ الإنصاف يُعدّ معيارًا أكثر عدلًا بحكم اختلاف طول السواحل واتساع الامتداد القاري، وهو طرح تدعمه عدة سوابق في التحكيم البحري الدولي، كما أن جزر الكناري ليست دولة ولا تمتلك كتلة قارية مستقلة تتيح لها تحقيق مكاسب ترسيم مساوية لدولة ذات امتداد طبيعي كالمغرب.

وقد عززت الرباط مواقفها القانونية بإصدار القانونين 37-17 و38-17 اللذين حدّثا الخريطة البحرية الوطنية وأدرجا سواحل الأقاليم الجنوبية ضمن المجال البحري المغربي، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من التراب الوطني. ورغم ما أثاره ذلك من نقاش داخل بعض الأوساط الأوروبية، خصوصًا في ما يتعلق باتفاقيات الصيد والفلاحة، فإن الاتحاد الأوروبي استمر في إبرام اتفاقياته مع المغرب وتشمل منتجات وخدمات قادمة من جنوب المملكة، وهو اعتراف عملي بالسيادة المغربية على تلك المناطق رغم الطعون القانونية التي يروّج لها خصوم الوحدة الترابية.

ورغم الاختلافات التقنية بين الرباط ومدريد، ظل الطرفان يحترمان فعليًا “الخط الأوسط” بشكل مؤقت إلى حين التوصل لاتفاق نهائي، مع تسجيل توترات محدودة في بعض اللحظات المرتبطة بمنح رخص للتنقيب بالقرب من المناطق المتداخلة. وفي الخلفية، يستمر الإعلام الإسباني في تقديم الهجرة نحو سبتة ومليلية بوصفها “ورقة ضغط”، بينما المقاربة المغربية تعتبر المدينتين قضية تصفية استعمار غير مكتملة، وليست ملفًا ظرفيًا يُدار بالمقايضة.

وتشير الوقائع الجيوسياسية اليوم إلى تحوّل مهم في معادلة القوة، إذ أصبحت جزر الكناري تعتمد في أمنها البحري وعمقها الاستراتيجي على التنسيق الوثيق مع المغرب، وهو ما ينسجم مع التحول الكبير الذي عرفته العلاقات الثنائية منذ 2022، حيث بات الطرفان يسيران وفق منطق “الشراكة الاستراتيجية” بدل منطق الأزمات السابقة. وفي هذا السياق، يعزز المغرب حضوره كقوة إقليمية صاعدة، وفاعل بحري رئيسي في غرب المتوسّط والمحيط الأطلسي، مما يجعل أي ترتيبات مستقبلية للترسيم البحري خاضعة لواقعية جديدة لا يمكن تجاهلها.

وفي المجمل، يتضح أن المغرب يرسّخ سيادته البحرية بالمنهج نفسه الذي رسّخ به سيادته على أقاليمه الجنوبية: خطوة هادئة، قانونية، مدروسة، ترتكز على الشرعية الدولية وتستفيد في الوقت ذاته من قوة موقعه الاستراتيجي واتساع مجاله القاري. ومع استمرار المفاوضات المغربية الإسبانية بوتيرة منتظمة، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لبلورة تفاهمات أدق وأعمق، تمهّد لاعتماد ترسيم نهائي عادل ومتوازن، يحمي المصالح الحيوية للطرفين ويعزز الاستقرار الإقليمي في واحد من أهم المجالات البحرية في المنطقة.

30/11/2025

مقالات خاصة

Related Posts