في خضم الجدل الأوروبي المتصاعد حول الهجرة، عادت إلى الواجهة تصريحات نُسبت إلى الملك الراحل الحسن الثاني، تعود إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، يتم تداولها اليوم خارج سياقها التاريخي والسياسي، وتُستعمل في بعض المنابر الإعلامية الأوروبية، خصوصًا الإسبانية، لتغذية خطاب الخوف من المسلمين والمغاربة على وجه الخصوص.
التصريحات التي أدلى بها الملك الحسن الثاني سنة 1993 جاءت في ظرف دولي مختلف كليًا عن الواقع الراهن. آنذاك، كانت أوروبا تعيش تحولات كبرى عقب نهاية الحرب الباردة، فيما لم تكن سياسات الاندماج ولا نماذج التعايش الثقافي قد تبلورت بالشكل الذي نعرفه اليوم. غير أن إعادة استحضار تلك الأقوال بعد أكثر من ثلاثة عقود، دون قراءة سياقية أو تحليل موضوعي، يطرح أكثر من علامة استفهام حول النوايا الحقيقية الكامنة خلف هذا التوظيف الإعلامي الانتقائي.
لم يكن المغفور له الحسن الثاني يومًا معاديًا للمهاجرين المغاربة، بل كان يتحدث بمنطق الدولة والسيادة والخصوصيات الحضارية. حديثه عن صعوبة الاندماج لم يكن حكمًا قيميًا أو دعوة للإقصاء، بقدر ما كان تشخيصًا واقعيًا لاختلاف المرجعيات الثقافية والدينية بين ضفتي المتوسط، وتحذيرًا مبكرًا من فشل سياسات الإدماج القسرية التي لا تراعي الهوية والكرامة الإنسانية.
والدليل أن المغرب، في عهده وبعده، ظل منخرطًا في حماية جاليته بالخارج، مدافعًا عن حقوقها القانونية والاجتماعية، ومطالبًا دول الاستقبال بالتعامل مع المهاجر باعتباره مواطنًا كامل الحقوق، لا ورقة ضغط سياسية ولا شماعة لتبرير الإخفاقات الداخلية.
وتُفنّد تجربة المغاربة في أوروبا الكثير من الخطابات الشعبوية السائدة. فالمغاربة اليوم يشكّلون إحدى دعائم الاقتصاد الأوروبي في قطاعات حيوية، كالفلاحة والبناء والصناعة والخدمات، كما برزت أجيال جديدة من الأطباء والمهندسين والأساتذة والمنتخبين المحليين من أصول مغربية، مندمجين في مجتمعاتهم دون التفريط في هويتهم الوطنية والدينية.
وليس من العدل تحميل المغرب أو الإسلام مسؤولية أزمة هجرة هي في جوهرها نتيجة اختلالات اقتصادية عالمية، ونزاعات دولية، وسياسات استعمارية قديمة لم تُعالَج آثارها بعد. فالمغرب اليوم، كما بالأمس، شريك أساسي للاتحاد الأوروبي في تدبير ملف الهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، مع التشديد الدائم على المقاربة الإنسانية.
النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن ينحصر في تصريحات مجتزأة من الماضي، بل يجب أن يتجه نحو مستقبل التعايش المشترك ومسؤولية الدول الأوروبية في إنجاح سياسات الإدماج، بعيدًا عن منطق التخويف والشيطنة. فالمغاربة في أوروبا ليسوا عبئًا، بل قوة اقتراح وجسرًا حضاريًا وإنسانيًا بين ضفتي المتوسط.
16/12/2025