في مدينة مليلية ، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع الهشاشة الاجتماعية، يتصاعد القلق اليومي لدى فئات واسعة من السكان على وقع الغلاء المتواصل وتشديد القيود الحدودية، في مشهد يعكس بوضوح فشل المقاربات الإسبانية في تدبير مدينة تعيش أصلًا على هامش الجغرافيا والاقتصاد.
فحسب معطيات حديثة كشف عنها حزب ائتلاف من أجل مليلية، ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك بالمدينة من 1,9 في المائة إلى 2,8 في المائة خلال سنة واحدة، أي بوتيرة تفوق المعدل المسجل داخل إسبانيا. وهي أرقام لا يمكن اختزالها في معطيات تقنية، بقدر ما تعكس واقعًا اجتماعيًا خانقًا تؤدي ثمنه الأسر محدودة الدخل، في ظل معدلات بطالة مرتفعة وتراجع مستمر في القدرة الشرائية.
وأمام هذا الوضع، يجد عدد كبير من سكان مليلية المحتلة أنفسهم مضطرين للتوجه نحو المغرب لتأمين حاجياتهم الأساسية بأسعار في المتناول، غير أن هذا الخيار الطبيعي، بحكم الجوار الجغرافي والإنساني، تحوّل إلى مسار شاق بفعل حدود مشلولة وإجراءات معقدة تفتقر إلى الحد الأدنى من العقلانية والمرونة.
فالحدود، التي تُقدَّم رسميًا باعتبارها “ذكية”، تشهد أعطالًا متكررة في أنظمة المراقبة البيومترية والتعرف على الوجه، ما يفضي إلى طوابير انتظار طويلة وإخضاع العابرين لمراقبة يدوية مرهقة. وإلى جانب ذلك، تفرض السلطات الإسبانية قيودًا صارمة واعتباطية على إدخال المواد الأساسية، حيث يُسمح بكميات محدودة من الخضر والفواكه والزيت، بينما يُمنع إدخال اللحوم ومشتقات الحليب والبيض والأسماك، في تضييق يمسّ بشكل مباشر الأمن الغذائي للأسر.
ويرى حزب ائتلاف من أجل مليلية أن هذا الواقع يجسد تناقضًا صارخًا: فبينما ترتفع الأسعار ويتآكل الدخل، تغيب سياسات عمومية فعالة تضمن كرامة العيش والولوج العادل إلى المواد الأساسية. بل إن الحدود، بدل أن تشكل متنفسًا اقتصاديًا واجتماعيًا، تحولت إلى أداة إضافية لإنتاج التفاوت وتعميق الإحساس بعدم الاستقرار.
وتزداد حدة الانتقادات عقب تصريحات حاكم المدينة، خوان خوسي إمبرودا، الداعية إلى منع دخول المنتجات المغربية بدعوى “المعاملة بالمثل”، وهو موقف يعتبره الحزب تجاهلًا صارخًا للواقع الاجتماعي لمليلية المحتلة، واستخفافًا بمئات الأسر التي لا تملك بديلًا آخر للحصول على قفة تسوق بأسعار معقولة.
وفي صلب هذه الأزمة، يتحمّل المغاربة القاطنون بمليلية المحتلة، إلى جانب الساكنة المحلية بمختلف مكوناتها، العبء الأكبر لهذه السياسات المتخبّطة، إذ يجدون أنفسهم محاصرين بين غلاء معيشي خانق وحدود تُدار بمنطق العقاب الجماعي. فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات العبور، بل نسيجًا بشريًا واجتماعيًا حيويًا يقوم عليه التوازن اليومي للمدينة، غير أن القرارات الإسبانية المتشددة تُفاقم هشاشتهم وتدفعهم إلى مسارات انتظار مهينة وقيود تمسّ حقهم الطبيعي في الولوج إلى مواد أساسية كانت، إلى وقت قريب، جزءًا من نمط عيش عادي.
الساكنة المحلية تؤدي ثمن مقاربة تُغَلِّب الحسابات السياسية الضيقة على الواقع الاجتماعي، حيث يُستَخدم المعبر الحدودي كورقة ضغط بدل أن يكون جسرًا للتعايش وحسن الجوار. وتتحول معاناة المغاربة القاطنين بالثغر المحتل إلى شاهد حيّ على فشل تدبير مدينة لا يمكن فصلها عن عمقها المغربي، ولا تجاهل حاجات أهلها الذين يُطالَبون بالصبر في مواجهة قرارات لا تراعي الكرامة الإنسانية ولا الاستقرار المعيشي.
ولا يمكن الحديث عن استقرار مليلية دون إنصاف المغاربة القاطنين بها وحماية الساكنة المحلية من سياسات الإقصاء والتضييق. فالجوار ليس شعارًا، والحدود ليست سلاحًا، والكرامة لا تُجزّأ. إن أي مقاربة لا تضع الإنسان في صلب القرار محكوم عليها بالفشل، وستظل المدينة رهينة أزمات متكررة ما لم يُعترف بدورها الطبيعي داخل محيطها المغربي، وبحق ساكنتها في العيش الكريم بعيدًا عن الابتزاز والقيود المصطنعة.
إن ما يجري في مليلية ليس مجرد أزمة أسعار أو خلاف حدودي عابر، بل هو انعكاس مباشر لفشل سياسي في إدارة مدينة لا يمكن عزلها عن محيطها المغربي، ولا عن حق سكانها في حياة كريمة بعيدًا عن منطق التضييق والعقاب الجماعي.
