kawalisrif@hotmail.com

الناظور :     تعليق العمل بمحطة الغاز بساحل إعزانن … والإعلام الإسباني يهلّل للقرار

الناظور : تعليق العمل بمحطة الغاز بساحل إعزانن … والإعلام الإسباني يهلّل للقرار

أعلنت السلطات المغربية تعليق مشروع إنشاء محطة للغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور غرب المتوسط، في إطار مراجعة تقنية واستراتيجية شاملة لعدد من الفرضيات المرتبطة بالمنظومة الطاقية الوطنية، وهي خطوة سيادية تندرج ضمن مقاربة التحكّم في وتيرة الاستثمار وتكييفه مع التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الطاقة عالميًا.

غير أن ما يثير الانتباه ليس القرار في حد ذاته، بقدر ما يلفت النظر أسلوب تلقّيه من طرف جزء من الإعلام الإسباني، الذي سارع إلى التعاطي مع الخبر بنبرة أقرب إلى “التهليل”، وكأن الأمر يتعلق بتراجع استراتيجي أو انتكاسة لمشروع مغربي، لا بمراجعة تقنية داخل ورش ضخم ما يزال في طور الإنجاز، ويخضع لمنطق التدرج والحكامة.

وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، التي تشرف عليها الوزيرة ليلى بنعلي، برّرت تعليق المشروع بظهور «معطيات وفرضيات جديدة» تخص مشروعًا وُصف بأنه «ذو طابع استراتيجي بالغ الأهمية للمملكة»، ويشمل محطة الغاز المسال، وربطها بأنبوب الغاز المغاربي–الأوروبي، إضافة إلى توسيع الشبكة نحو الأقطاب الصناعية. وهي معطيات تؤكد، بلغة التدبير العمومي الرصين، أن المغرب لا يشتغل بمنطق “السبق الصحفي” أو الإيقاع الإعلامي، بل وفق حسابات السيادة والنجاعة الاقتصادية والاستشراف بعيد المدى.

وبينما تم تقديم الخبر في بعض المنابر الإسبانية على أنه “ضربة” لميناء الناظور أو “تراجع” عن رهان طاقي، جرى تجاهل حقيقة بديهية مفادها أن تعليق مشروع فرعي لا يعني تعطيل المشروع الاستراتيجي برمّته، وأن الميناء العملاق يمضي بثبات نحو دخوله حيز التشغيل أواخر سنة 2026، وفق الجدولة المعلنة.

فالأشغال الأساسية للميناء قد اكتملت، وعقود الامتياز الخاصة بمحطتي الحاويات جرى توقيعها، كما أن الاستثمارات الخاصة المؤكدة تناهز 20 مليار درهم، بطاقة تشغيلية أولية تصل إلى خمسة ملايين حاوية و35 مليون طن من البضائع، مع قابلية التوسعة إلى 12 مليون حاوية نمطية. وهي أرقام يبدو أنها لم تحظ بالحماسة نفسها التي خُصصت لعناوين “تجميد محطة الغاز”، في قراءة انتقائية للصورة العامة.

والمفارقة أن تعليق المشروع جاء بعد أيام فقط من اجتماع ترأسه الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالدار البيضاء، خُصص لتتبع تقدم أشغال المركب المينائي والصناعي للناظور غرب المتوسط، حيث جرى التأكيد على الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى لهذا المشروع المهيكل. وهو ما يجعل “الفرح الإعلامي” الإسباني أقرب إلى قراءة متعجلة، أو إلى إسقاط رغبات أكثر منه تحليلًا مبنيًا على معطيات واقعية.

فالمغرب، الذي يطمح إلى رفع طلبه من الغاز إلى 12 مليار متر مكعب بحلول سنة 2030، ضمن برنامج استثماري يتجاوز 3.5 مليارات دولار، لا يعلّق مشاريعه لأن صحيفة هنا أو عنوانًا هناك احتفى بذلك، بل لأنه يعيد ترتيب الأولويات وفق معادلة دقيقة تجمع بين تطورات السوق الدولية، ومتطلبات الانتقال الطاقي، وحماية المصلحة الوطنية.

وكان من المنتظر أن تبلغ قيمة البنية التحتية لمحطة الغاز نحو مليار دولار، وأن تتحول إلى أول قطب غازي كبير في المملكة، بما يعزز سيادتها الطاقية. غير أن الوزارة اختارت تعليق استقبال ملفات الترشيح وفتح العروض، رغم أن إعلانات طلبات العروض كانت قد نُشرت في 5 دجنبر الماضي، ورغم إبداء عشرات الفاعلين الوطنيين والدوليين اهتمامهم بالمشروع، وفق مصادر من القطاع، في خطوة تعكس تغليب منطق التحكّم والتريث على منطق التسريع غير المحسوب.

في المقابل، لا يخفي بعض الفاعلين السياسيين والإعلاميين بمدينة مليلية المحتلة قلقهم من مشروع ميناء الناظور، باعتباره عاملًا قد يعيد رسم الخريطة الاقتصادية واللوجستية بالمنطقة. وقد عبّرت سلطات المدينة أكثر من مرة عن تخوفها من تأثير المشروع على اقتصادها الهش، في ظل ما تعتبره غياب دعم كافٍ من الحكومة المركزية الإسبانية.

وفي هذا السياق، يبدو أن التهليل لتأجيل محطة الغاز لا يخرج عن كونه محاولة لالتقاط أنفاس القلق أكثر مما هو قراءة موضوعية للواقع. فميناء الناظور غرب المتوسط لم يُبنَ ليُختزل في محطة، ولا لتقاس قوته بعناوين عابرة. أما الاحتفاء بتأجيل تقني داخل ورش استراتيجي، فقد يكون مريحًا لبعض الأقلام شمال المضيق… إلى أن تبدأ السفن في الرسو، وتتحول “العناوين المفرحة” إلى مجرد أرشيف.

04/02/2026

مقالات خاصة

Related Posts