من المنبر الروحي إلى ورش العمل الاجتماعي… أحمد محاش يجمع بين اللقاء الديني وكفالة الأيتام
احتضنت قاعة قصر الذهب بالطريق الرابطة بين العروي والناظور أمسية علمية ودعوية يوم الاثنين المنصرم ، أحياها الدكتور سعيد الكملي، في لقاءٍ جامع بين صفاء الفكر وخشوع الروح، وبين عمق العلم وسكينة الإيمان.
الأمسية، التي نُظّمت بدعوة من جمعية ملتقى الناظور للذكر والفكر، برئاسة أحمد محاش، وبتنسيق مع المجلس العلمي الجهوي لجهة الشرق والمجلس العلمي المحلي بالناظور، جاءت في سياق تفعيل الرسالة الملكية السامية الداعية إلى ترسيخ قيم الرحمة والاعتدال والوسطية، باعتبارها جوهر النموذج الديني المغربي الأصيل. وقد عرفت حضورًا وازنًا من مختلف شرائح المجتمع، في مشهدٍ عبّر عن تعطش جماعي لخطاب ديني متزن، بعيد عن التشنج والسطحية.
واختار الدكتور سعيد الكملي عنوانًا قرآنيًا بالغ الدلالة لمحاضرته: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين»، فجعل من الرحمة محورًا ناظمًا لعرض علمي رصين، قدّم من خلاله قراءة مقاصدية واعية للنصوص الشرعية، تربط بين السيرة النبوية وتحديات الواقع المعاصر، وتعيد الاعتبار للدين باعتباره مشروع بناء إنساني، لا أداة إقصاء أو صدام.
وبأسلوبه الهادئ العميق، استطاع الشيخ أن يخاطب العقل والوجدان معًا، جامعًا بين بساطة العبارة وعمق المعنى، في مداخلة لقيت إنصاتًا عميقًا من الحضور، أكثر من التصفيق، في دلالة واضحة على الأثر الذي تتركه الكلمة الصادقة حين تصدر عن علم راسخ وقلب حاضر.
غير أن ما ميّز هذه المحطة الإيمانية لم يكن فقط ثقل الاسم العلمي للمحاضر، بل السياق الذي احتضنها، والدلالة العميقة لالتقائها مع مسارٍ إنساني موازٍ، تمثّله مؤسسة الرحمة للتنمية الاجتماعية بالناظور، التي يرأسها أحمد محاش، في نموذج لافت لتكامل العمل الدعوي بالعمل الاجتماعي، وتلاقي الكلمة بالفعل.
فبموازاة الاشتغال على نشر خطاب ديني معتدل عبر جمعية ملتقى الناظور للذكر والفكر، تقود مؤسسة الرحمة للتنمية الاجتماعية بالناظور عملًا ميدانيًا متواصلًا لدعم الفئات الهشة، وعلى رأسها برنامج كفالة الأيتام، الذي يُعد من أبرز برامجها ذات الأثر الاجتماعي العميق.
ويستفيد من هذا البرنامج حاليًا حوالي 2000 يتيم بمختلف أقاليم الجهة الشرقية، في إطار كفالات منتظمة تمتد إلى غاية بلوغ سن الرشد، تشمل منحة مالية شهرية، وأولوية الاستفادة من الدعم الغذائي والصحي والمدرسي، إلى جانب تتبع تربوي ودراسي عبر خلايا ميدانية مختصة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التعليم هو المدخل الحقيقي لكسر دائرة الهشاشة.
وفي المقابل، لا يزال 500 يتيم ضمن لائحة الانتظار، في حاجة ملحّة إلى كفلاء، ما يعكس اتساع حجم الطلب الاجتماعي، ويُبرز حجم التحديات المطروحة، كما يؤكد أهمية توسيع دائرة التضامن المجتمعي، خاصة وأن نسبة وازنة من الكفالات تأتي من الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في تعبير حي عن ارتباط مغاربة العالم بقضايا وطنهم الإنسانية.
ومن بين الحالات التي يلامسها هذا البرنامج، نماذج لأرامل فقدن المعيل، ويواجهن أوضاعًا اجتماعية وصحية معقّدة، حيث تتحول الكفالة من مجرد دعم مادي إلى رافعة أمل حقيقية، تمنح الأسر الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة.
هكذا، يبرز التقاء المسارين في تجربة أحمد محاش: مسارٌ يؤمن بأن الدين رحمة تُبنى بالكلمة الهادئة والعلم الرصين، ومسارٌ يترجم هذه الرحمة إلى فعل اجتماعي ملموس يلامس الواقع اليومي للفئات الهشة. وهو تلاقٍ يعكس فهمًا عميقًا لوظيفة العمل المدني والدعوي، حين يُبنى على التكامل لا على التجزيء.
وفي زمنٍ يكثر فيه الضجيج، تؤكد هذه التجربة أن الناظور ما يزال قادرًا على احتضان نماذج عمل جاد، تُعيد للعلم هيبته، وللرحمة معناها، وللكلمة صدقها… حين تلتقي النية الصادقة بحسن التدبير، ويلتقي الخطاب بالفعل.
