kawalisrif@hotmail.com

الأمازيغ أول البشر … دراسة علمية جديدة تعزز فرضية الأصل الحقيقي للإنسان العاقل انطلاقاً من المغرب قبل حوالي 750 ألف سنة

الأمازيغ أول البشر … دراسة علمية جديدة تعزز فرضية الأصل الحقيقي للإنسان العاقل انطلاقاً من المغرب قبل حوالي 750 ألف سنة

كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Nature عن معطيات غير مسبوقة بشأن الجذور الأولى للإنسان العاقل، اعتماداً على اكتشاف بقايا بشرية نادرة بموقع مقلع “طوما 1” قرب الدار البيضاء، يعود تاريخها إلى حوالي 773 ألف سنة، ما يجعلها من أقدم الشواهد البشرية المرتبطة مباشرة بالسلالة الإفريقية التي مهدت لظهور الإنسان الحديث.

وأفادت الدراسة، التي أنجزها فريق دولي بمشاركة باحثين مغاربة، أن هذه البقايا المكتشفة داخل مغارة تُعرف بـ“مغارة أشباه البشر”، تحمل خصائص تشريحية فريدة تجمع بين سمات بدائية وأخرى متقدمة، وهو ما يضعها في قلب النقاش العلمي حول المرحلة المفصلية التي سبقت تفرع الإنسان العاقل عن سلفه المشترك مع إنسان النياندرتال والدينيسوفان.

ويرى عدد من الباحثين أن هذه المعطيات تعزز الطرح القائل بأن شمال إفريقيا، وبالأخص المجال المغربي، لم يكن مجرد ممر عابر في تاريخ البشرية، بل موطناً أصيلاً لجماعات بشرية متقدمة، يُنظر إليها باعتبارها الجذور الأولى لما يُعرف اليوم بالإنسان العاقل، وهي جماعات تنتمي، وفق مقاربات أنثروبولوجية وثقافية، إلى الإنسان الأمازيغي الذي شكل العمق البشري للإمبراطورية المغربية عبر التاريخ.

ووفق الدراسة، فقد خضعت البقايا المكتشفة، والتي تشمل فكوكاً سفلية وأسناناً وفقرات عظمية تعود لأفراد بالغين وأطفال، لتحليلات دقيقة باستخدام تقنيات حديثة في التأريخ المغناطيسي، أكدت أنها تعود إلى فترة الانتقال المغناطيسي “ماتوياما–برونز” قبل نحو 773 ألف سنة، ما يمنح هذا الاكتشاف قيمة علمية استثنائية.

وأكد الباحثون أن موقع “طوما 1” يُعد من أغنى المواقع الأثرية في شمال إفريقيا، حيث يوثق نشاطاً بشرياً متواصلاً منذ أكثر من 1.3 مليون سنة، في سياق جيولوجي مستقر سمح بحفظ البقايا البشرية والأدوات الحجرية بشكل واضح، ما يدعم موثوقية النتائج العلمية.

وأوضحت الدراسة أن هذه البقايا لا تنتمي بشكل مباشر إلى الإنسان العاقل، لكنها في الوقت ذاته تتجاوز الخصائص الكلاسيكية للإنسان المنتصب، ما يجعلها تمثل شكلاً تطورياً وسيطاً خاصاً بشمال إفريقيا، يحمل ملامح تمهيدية لظهور الإنسان العاقل، الذي سيعرف لاحقاً استقراره وتطوره في المجال المغربي الأمازيغي.

وأظهرت تحليلات الفك والأسنان مؤشرات تطورية متقدمة، من بينها تقلص حجم الأضراس وبدايات تشكل بروز ذقني خفيف، وهي سمات ترتبط لاحقاً بالإنسان العاقل، ما يؤكد أن تطور الصفات الحديثة تم بشكل تدريجي داخل إفريقيا، وليس نتيجة هجرة مفاجئة من خارجها.

كما كشفت الدراسة أن البيئة التي عاشت فيها هذه الجماعات البشرية كانت بيئة سافانا غنية، سمحت بتواصل جغرافي وبشري واسع بين شمال إفريقيا وباقي القارة، وهو ما جعل من الصحراء الكبرى، خلال فترات مطيرة، مجالاً للتفاعل البشري وليس حاجزاً طبيعياً.

وعند مقارنة هذه الاكتشافات مع حفريات أوروبية معاصرة، خاصة بإسبانيا، لاحظ الباحثون وجود تمايز تشريحي واضح، ما يدحض فرضيات سابقة كانت ترجح أصلاً أوروبياً للإنسان العاقل، ويؤكد أن السلالة الإفريقية، المنحدرة من شمال إفريقيا والمغرب تحديداً، هي الأصل الحقيقي للإنسان الحديث.

وأكدت الدراسة أن هذه النتائج تتقاطع مع معطيات علم الوراثة القديمة، التي تشير إلى أن السلف المشترك للإنسان العاقل والنياندرتال عاش قبل ما بين 765 ألف و550 ألف سنة، وهي الفترة نفسها التي تعود إليها بقايا “طوما 1”.

وشدد الباحثون على أن هذه الاكتشافات، إلى جانب مكتشفات جبل إيغود التي تعود إلى أكثر من 300 ألف سنة، تعيد رسم الخريطة التطورية للإنسان، وتبرز الدور المركزي للمغرب، باعتباره مهداً قديماً للبشرية، ومجالاً نشأ فيه الإنسان الأمازيغي الأول الذي شكل الأساس العميق للوجود البشري الحديث.

وخلصت الدراسة إلى أن الجمع بين الأدلة الأحفورية والبيئية والوراثية يؤكد أن إفريقيا، وبالأخص المغرب، كانت المسرح الرئيسي الذي شهد بزوغ الإنسان العاقل وتطوره عبر مئات آلاف السنين، في مسار طويل يعكس عمق الحضارة الإنسانية في هذا المجال الجغرافي.

06/02/2026

مقالات خاصة

Related Posts