kawalisrif@hotmail.com

حين ينتصر التدبير الاستباقي :    المغرب بقيادة الملك يحوّل خطر الفيضانات إلى درس في قوة الدولة

حين ينتصر التدبير الاستباقي : المغرب بقيادة الملك يحوّل خطر الفيضانات إلى درس في قوة الدولة

أثبتت المملكة المغربية، خلال موجة الفيضانات العنيفة التي ضربت عدداً من أقاليم الشمال، أنها تمتلك جهازاً مؤسساتياً قادراً على التحرك السريع واتخاذ القرار في الوقت الحاسم. من العرائش والقصر الكبير إلى ضواحي القنيطرة وسيدي سليمان، مروراً بتاونات والحسيمة، كان التدخل استباقياً وحاسماً، ما جنّب البلاد سيناريوهات مأساوية اعتاد العالم رؤيتها في كوارث مماثلة.

غير أن هذا المشهد لم يُرضِ فئة اعتادت الاصطياد في الماء العكر، فغابت عنها الأسئلة الجوهرية، وتقدّمت لغة التبخيس والرفض المجاني. السؤال الحقيقي الذي تم تجاهله عمداً هو: كيف كان سيكون الوضع لو تأخرت عمليات الإجلاء، ولم يتم نقل أزيد من 160 ألف مواطن من مناطق مهددة بالغرق؟

المفارقة اللافتة أن دولاً في الضفة الشمالية للمتوسط، التي واجهت نفس العاصفة ، لجأت بدورها إلى إجلاء السكان، في خطوة تعكس وعياً بخطورة الموقف، واستلهاماً واضحاً لنجاعة التدبير الاستباقي الذي نهجه المغرب .

ما تحقق على أرض الواقع كان رسالة واضحة: الدولة حاضرة، وتتحرك قبل فوات الأوان. إجلاء مدينة أو أحياء كاملة في ظرف وجيز، وقبل بلوغ منسوب المياه مستويات كارثية، ليس إجراءً عادياً بل عملية معقدة تتطلب تنسيقاً دقيقاً وقراراً سيادياً شجاعاً.

ورغم ذلك، لم يتردد البعض في ربط الظواهر الطبيعية بخطابات سطحية، تارة باتهام تدبير السدود، وتارة أخرى بتحميل المهرجانات مسؤولية تراكم الأوحال والترسبات، في خلط يفتقر لأبسط أسس المعرفة العلمية.

في المقابل، جاءت المعطيات الرسمية لتضع الأمور في نصابها. فسد واد المخازن، الذي يعود إنجازه إلى أكثر من نصف قرن، تجاوز منذ مطلع يناير 2026 سعته الاعتيادية بأربعة أمتار، دون أن تسجل أي مؤشرات خلل أو اختلال في بنيته أو تجهيزاته. بل إن الواردات المائية التي استقبلها السد خلال الأشهر الأخيرة بلغت مستويات غير مسبوقة، فاقت المعدل السنوي بأكثر من 180 في المائة، لترتفع نسبة الملء إلى أرقام استثنائية دون تسجيل أي مخاطر إنشائية .

هذه الأرقام وحدها كافية لتفنيد خطاب التشكيك، وللتذكير بأن تدبير الماء في المغرب ظل، لسنوات الجفاف القاسية، قائماً على منطق الحفاظ على كل قطرة، لا التفريط فيها. أما التشكيك اليوم، في ظل عدم وقوع أي انهيار أو خسائر بشرية جسيمة، فلا يخرج عن كونه ضجيجاً بلا مضمون.

ما شهده العالم ليس مدناً غارقة بقدر ما هو نموذج في الحكامة الاستباقية وتدبير المخاطر. وإذا كان نوح قد أنقذ من آمن معه بسفينة، فإن المغرب أنقذ شعبه بأكمله بالتخطيط، والجاهزية، واتخاذ القرار قبل أن يصبح الفيضان قدراً لا يُرد.

07/02/2026

مقالات خاصة

Related Posts