لم تعد سواحل جنوب إسبانيا مجرد فضاء سياحي أو واجهة بحرية للمتوسط، بل تحولت بشهادة عناصر من الحرس المدني أنفسهم ، إلى ممر شبه حر لشبكات التهريب الدولي، في مشهد يختزل فشل التخطيط الأمني وعجز الدولة عن حماية حدودها البحرية. غرناطة، ألميرية، مالقا…
أسماء مدن باتت تتردد اليوم ليس بسبب الشواطئ أو الفنادق، بل بسبب قوارب التهريب السريع التي ترسو علناً، تنتظر هدوء البحر، وتغادر محمّلة بأطنان الحشيش والكوكايين، بينما الزوارق الرسمية معطلة، والعناصر الأمنية منهكة، والقرارات حبيسة المكاتب.
وفق معطيات ميدانية موثقة، فإن جميع الزوارق البحرية الثلاثة التابعة للحرس المدني في غرناطة خارج الخدمة، بينما لا تتوفر ألميرية إلا على نصف أسطولها البحري، في وقت يتم فيه نقل ما تبقى من الوسائل نحو بؤر توتر أخرى، وكأن السواحل تُترك عمداً بلا حراسة. والنتيجة واضحة: خلجان تتحول إلى موانئ ظل، وقوارب تهريب تختبئ من العواصف داخل المرافئ، بل وتتلقى الطعام والمؤن من البر، في مشاهد أقرب إلى فيلم ساخر عن دولة غائبة، لا عن بلد أوروبي يفترض أنه يحارب الجريمة المنظمة.
قوارب التهريب، المعروفة بـ“الغومات”، ليست مجرد زوارق عادية، بل وحوش بحرية بمحركات تتجاوز 700 حصان، وسرعات تناهز 130 كيلومتراً في الساعة، قادرة على نقل طنين من المخدرات في الرحلة الواحدة. أمام هذه الترسانة، يجد الحرس المدني نفسه بزوارق مهترئة، أو بدون زوارق أصلاً، في مواجهة عصابات تمتلك المال والتكنولوجيا وجرأة الحركة، دون خوف من الملاحقة.
نقابتا AUGC وJUCIL لا تتحدثان عن خلل عابر أو أزمة ظرفية، بل عن تفكيك صامت للخدمة البحرية، وعن شعور متزايد بالإهانة والعجز وسط العناصر الميدانية، التي لم تعد تطالب بالمستحيل، بل بما هو بديهي: وسائل كافية، موارد بشرية حاضرة، وتشريع رادع يواكب خطورة التهديد.
ورغم ذلك، تواصل وزارة الداخلية الإسبانية التلويح بالأرقام، من أطنان محجوزة وآلاف الموقوفين وخطط أمنية توصف بالناجحة، غير أن الصور القادمة من الشواطئ، حيث ترسو قوارب التهريب في وضح النهار، تكذّب البلاغات الرسمية، وتطرح سؤالاً محرجاً لا جواب عنه: كيف تُحجز المخدرات، بينما البحر مفتوح على مصراعيه؟
الأخطر، بحسب المهنيين، أن ظاهرة تزويد القوارب بالوقود في عرض البحر لا تزال تُعامل قانونياً بليونة غير مفهومة، وكأنها مجرد مخالفة تقنية لا حلقة مركزية في منظومة التهريب الدولي. لا سجن، لا ردع حقيقي، فقط غرامات تثير السخرية، وتمنح شبكات تُدر الملايين إحساساً مريحاً بالإفلات من العقاب.
07/02/2026