في واحدة من أخطر قضايا الاتجار الدولي بالمخدرات التي هزّت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، كشفت تحقيقات عملية “أوغور” عن شبكة إجرامية معقدة امتدت خيوطها من ميناء الجزيرة الخضراء جنوب البلاد، إلى قصور فاخرة في دبي، مرورًا بـبنما وإفريقيا، واضعةً أسماء ثقيلة تحت مجهر العدالة، من بينها مسؤول أمني رفيع سابق، وقريب مباشر من العائلة الملكية الإسبانية.
التحقيق، الذي تشرف عليه المحكمة الوطنية الإسبانية بتنسيق مع النيابة العامة المختصة في مكافحة المخدرات، انطلق فعليًا بعد ضبط أكبر شحنة كوكايين في تاريخ إسبانيا، بلغت 13 طنًا قادمة من الإكوادور في أكتوبر 2024، كانت مخبأة داخل حاويات فواكه، ومرّ جزء منها عبر ميناء الجزيرة الخضراء، أحد أكبر الموانئ الأوروبية.
المعطيات القضائية تشير إلى أن إغناسيو توران، المشتبه في كونه العقل المدبر للشبكة، نجح في بناء منظومة إجرامية متعددة الجنسيات، اعتمدت على إدخال أطنان من الكوكايين من أمريكا الجنوبية، ثم إعادة تدوير عائداتها عبر شبكات مالية معقدة.
تحليل هاتف توران كشف عن علاقات مباشرة مع بارونات مخدرات كبار، يقيم عدد منهم في مجمعات سكنية فاخرة بدبي، خاصة في نخلة جميرا، حيث عاشوا جنبًا إلى جنب في نمط حياة يعكس حجم الأموال المتدفقة من تجارة غير مشروعة.
ومن بين الأسماء البارزة أليخاندرو س. ف. الملقب بـ**“إل تيغري” (El Tigre – النمر)، وبيريكليس د. د.**، اللذين تصفهما التقارير الأمنية بأنهما مسؤولان عن تنسيق شحنات الكوكايين من أمريكا الجنوبية. وتشير التحقيقات إلى أن توران اقتنى بدوره مسكنًا فاخرًا في نفس المنطقة، تُقدَّر قيمته بحوالي 10 ملايين يورو.
أحد أخطر معطيات الملف يتمثل في الاشتباه في تورط مسؤول أمني رفيع المستوى، ويتعلق الأمر بـأوسكار سانشيز خيل، الرئيس السابق لوحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية (UDEF) بمدريد، الذي يوجد رهن الاعتقال منذ ضبط شحنة 2024.
وتُظهر المحادثات الهاتفية أن توران كان يتفاخر بعلاقته بالمسؤول الأمني، واصفًا إياه بـ“الصديق”، ومؤكدًا حصوله على معلومات حساسة مكّنته من تفادي المراقبة الأمنية. كما تكشف الرسائل حالة الارتباك التي أعقبت ضبط الشحنة، بسبب تنفيذ العملية خارج الأنظمة المعتادة وبدون تنسيق مع الجمارك.
دور ميناء الجزيرة الخضراء لا يقف عند حدود شحنة واحدة، إذ ينسب المحققون إلى الشبكة إدخال أكثر من 14 طنًا من الكوكايين إلى إسبانيا، من بينها 1.605 كيلوغرامات تم ضبطها سنة 2021 داخل شحنة أناناس قادمة من أمريكا الجنوبية.
الأخطر أن ملاحظات وبيانات عُثر عليها في هاتف المسؤول الأمني السابق تفتح الباب أمام فرضية إدخال 37 حاوية إضافية، بما يقارب 59 طنًا من الكوكايين، تُقدَّر قيمتها بأكثر من ملياري يورو، ما يجعل الملف من أضخم قضايا المخدرات في أوروبا.
تتبّع مسار الأموال قاد المحققين إلى هندسة مالية معقدة تشمل شركات وهمية وحسابات مصرفية في إسبانيا وبنما ودبي، إضافة إلى استخدام العملات المشفرة عبر منصات مالية مرتبطة بـساو تومي وبرينسيبي.
وفي هذا السياق، برز اسم فرانسيسكو دي بوربون، ابن عم الملك فيليبي السادس، الذي تم توقيفه مؤخرًا ثم الإفراج عنه بكفالة، في إطار تحقيقات الاشتباه في تبييض الأموال. وحسب الشرطة الإسبانية، يظهر اسمه كصاحب حسابات استُخدمت لتمرير أموال الشبكة، وهي اتهامات نفاها المعني بالأمر بشكل قاطع.
كما رصدت التحقيقات دور منصات مالية، من بينها ET Bank، يُشتبه في استخدامها لإدارة العملات والعملات الرقمية وإصدار بطاقات مصرفية لإعادة إدخال الأموال غير المشروعة إلى الدورة الاقتصادية القانونية.
أُوقف إغناسيو توران مجددًا بعد مثوله أمام القضاء، ومن المرتقب أن يُحسم في مسألة عودته إلى السجن، بعد أن غادره سنة 2025 بسبب خطأ إجرائي. وفي المقابل، تتسع رقعة التحقيقات، سواء من حيث عدد المتابعين أو الامتدادات الجغرافية.
ما تكشفه عملية أوغور لا يقتصر على شبكة مخدرات عابرة للقارات، بل يفتح نقاشًا حساسًا حول اختراق مؤسسات الدولة وتداخل المال القذر مع دوائر النفوذ، حين يصل صدى التحقيقات إلى أسماء ذات رمزية سياسية وملكية.
ويبقى السؤال المطروح اليوم في إسبانيا، ليس فقط كم طنًا من الكوكايين دخل البلاد، بل إلى أي حد يمكن للعدالة أن تذهب حين تقترب الخيوط من محيط القصر؟
