تحت رعاية الولايات المتحدة، تحتضن العاصمة الإسبانية مدريد لقاءً وصف بـ«الهادئ» لكنه محمّل بدلالات استراتيجية، يجمع أطراف نزاع الصحراء في محاولة جديدة لكسر جمود دام نصف قرن. وبينما يلفّ التكتم تفاصيل الاجتماع، يبرز معطى أساسي لا يمكن تجاهله: المغرب يدخل هذه المرحلة وهو الطرف الوحيد الذي يمتلك مبادرة سياسية واضحة وواقعية، وتحظى بدعم دولي متزايد.
اللقاء، الذي يتم بعيدًا عن الأضواء داخل سفارة الولايات المتحدة بمدريد، يأتي في سياق دولي متحوّل، فقد فقدت الأطروحات الانفصالية زخمها، بينما تتعزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل جدي وذو مصداقية، وهو ما أكده مرارًا مجلس الأمن الدولي في قراراته الأخيرة.
مصادر مطلعة تؤكد أن الصمت الذي يحيط بالمشاورات لا يعكس حالة ارتباك، بل نضجًا دبلوماسيًا وإدراكًا لحساسية اللحظة. فالمغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة مكاسب سياسية ودبلوماسية لافتة، لم يعد في موقع الدفاع عن أطروحته، بل في موقع تثبيت المرجعية الوحيدة القابلة للتنفيذ.
الرباط، التي قدمت مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، عادت مؤخرًا إلى تحيين مقترحها عبر مشاورات موسعة مع الأحزاب السياسية الوطنية، انسجامًا تامًا مع توجيهات المؤسسة الملكية، ما يعكس إجماعًا داخليًا نادرًا حول قضية الصحراء باعتبارها قضية سيادة لا تقبل المساومة.
ويشير الخبير في الشأن الصحراوي، محمد الغيث ملعينين، في تصريح لوكالة إيفي، إلى أن التكتم المحيط بالمفاوضات ليس جديدًا، بل كان حاضرًا في الجولات السابقة، وكذلك أثناء إعداد مقترحات الأحزاب السياسية المغربية سنة 2006 حول مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب رسميًا في السنة الموالية.
وبحسب ملعينين، فإن عزل الأطراف خلال المفاوضات يهدف أساسًا إلى تحريرها من ضغط الرأي العام، مضيفًا: «إذا قبلت جبهة البوليساريو أولًا الرؤية الأمريكية، فستفقد الجزائر ورقة ضغطها الإقليمية؛ وإذا قبلت الجزائر، فإن البوليساريو – التي توجد مقراتها فوق التراب الجزائري – ستفقد حمايتها».
ومنذ يوم السبت، يوجد كل من وزير خارجية موريتانيا محمد سالم ولد مرزوك ونظيره الجزائري أحمد عطاف في العاصمة الإسبانية مدريد، بحسب السلطات المحلية.
في المقابل، لا تزال الجزائر متمسكة بخطاب تقرير المصير بصيغته التقليدية، رغم التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، ورغم تراجع الدعم الدولي لهذا الطرح. أما جبهة البوليساريو، فتجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: إما الانخراط في الحل السياسي الواقعي، أو البقاء رهينة حسابات إقليمية لم تعد تقنع المجتمع الدولي.
ويرى محللون أن أي قبول صريح بالمقاربة الأمريكية، التي تعتبر الحكم الذاتي أساس الحل، سيسقط أوراق الضغط التقليدية التي ظلت تُستعمل لعقود دون نتائج تُذكر، وهو ما يفسر حساسية المرحلة الراهنة.
الدور الأمريكي في هذا المسار ليس تفصيليًا، فواشنطن، التي سبق أن اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه، تسعى اليوم إلى ترجمة هذا الموقف السياسي إلى مسار تفاوضي نهائي يضع حدًا لنزاع طال أمده وأثقل كاهل الاستقرار المغاربي.
كما أن حضور موريتانيا في هذا اللقاء يؤكد توجهًا نحو حل إقليمي متوازن، يأخذ بعين الاعتبار مصالح الاستقرار والتنمية، بعيدًا عن منطق الاستقطاب والصراع المفتوح.
في المحصلة، يثبت المغرب مرة أخرى أنه دولة مبادرة لا دولة ردّ فعل، يتعاطى مع ملف الصحراء بثقة هادئة، مستندًا إلى شرعية تاريخية، ومشروعية قانونية، ودعم دولي متنامٍ، مقابل أطروحات تجاوزها الزمن ولم تعد تقنع حتى حلفاء الأمس.
مدريد قد تكون محطة صامتة، لكن رسائلها واضحة: زمن الحلول الوهمية انتهى، والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأفق الواقعي الوحيد.
08/02/2026