في خضم التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي، يقول المؤرخ والمحلل الإسباني فلورنتينو بورتييرو إن الغرب بات يعترف بأن المغرب انتصر في معركة الصحراء المغربية، في ظل تراجع الأدوار التقليدية وصعود رهانات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والموارد والتحالفات الاستراتيجية.
ويؤكد بورتييرو أن حادثة غرينلاند شكّلت نقطة تحول فارقة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إذ لم تعد العلاقة قائمة على منطق التحالف، بل تحولت إلى منافسة مباشرة، وهو ما انعكس على مجمل التوازنات الدولية، بما فيها قضايا شمال إفريقيا.
ويقول المؤرخ الإسباني إن العالم يشهد تراكماً لعدة تحولات كبرى، مرتبطة بالعولمة، والثورة الرقمية، وبدايات ثورة بيوتكنولوجية، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر في السياسات الوطنية. فالأحزاب التقليدية، حسب تحليله، لم تعد قادرة على تقديم إجابات مقنعة لمواطنيها، ما دفع إلى مراجعة عميقة للأجندات السياسية، وكانت السياسة الخارجية من أولى المجالات التي طالتها هذه التحولات.
وفي هذا السياق، يوضح بورتييرو أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر النظام الليبرالي أولوية، بل بات تركيزها موجهاً نحو ضمان الوصول إلى المواد الخام وتأمين التفوق التكنولوجي. فالقوة اليوم، بحسب تعبيره، بيد من يقود الثورة الرقمية، حيث تبرز الصين كمنافس حقيقي وحيد، فيما تظل روسيا فاعلاً ثانوياً رغم امتلاكها قوة نووية.
ويرى بورتييرو أن أوروبا تعيش وضعية تبعية متزايدة، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تضطر إلى الدفع لمن يتحكمون في هذه التكنولوجيا، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. كما يلفت إلى أن القارة الأوروبية تفتقر إلى شركات عملاقة قادرة على المنافسة عالمياً، ما يجعلها مهددة بفقدان استقلالها الاستراتيجي إن لم تتحرك بسرعة.
ورغم شروع الاتحاد الأوروبي في مراجعة أجندته الاستراتيجية بهدف استعادة السيادة الرقمية، إلا أن هذه الخطوات، كما يقول المؤرخ الإسباني، جاءت متأخرة وتفتقر إلى رؤية متكاملة.
وفي ما يخص قضية الصحراء المغربية، يؤكد بورتييرو أن إعادة إطلاق الحوار في مدريد يعكس نجاح الاستراتيجية المغربية، التي قامت على تعزيز الشراكات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقديم المملكة نفسها كشريك موثوق في المنطقة. هذا المسار تُوّج باعتراف أمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، وهو موقف حظي بدعم فرنسا، قبل أن تتبناه دول أخرى، من بينها إسبانيا، عبر اعتماد مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع، وفق قرارات مجلس الأمن.
ويضيف المؤرخ الإسباني أن الغرب بات يعتبر المغرب الطرف الذي حسم المعركة دبلوماسياً، في مقابل تراجع واضح للدور الجزائري، وارتباك في الموقف الإسباني.
كما يشير بورتييرو إلى أن العلاقات المغربية الإسبانية تمر بمرحلة توتر، بسبب غياب رؤية واضحة لدى مدريد. فبينما يحدد المغرب أهدافه بدقة في ملفات حساسة، مثل المنطقة الاقتصادية الخالصة، والمجال الجوي، واستغلال الموارد البحرية، تظل السياسة الإسبانية تجاه الرباط، حسب تعبيره، رهينة تدبير مركزي من مونكلوا، بعيداً عن إجماع مؤسساتي حقيقي.
وفي تحليله للتطورات الإقليمية، يعتبر المؤرخ الإسباني أن منطقة الساحل تحولت إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدولي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى كبح النفوذ الصيني المتزايد، خصوصاً في مجال المعادن الاستراتيجية التي تشكل أساس التفوق التكنولوجي. كما يلفت إلى تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة، ما يمثل ضربة قوية للدور الأوروبي هناك.
ويخلص التحليل إلى أن المغرب نجح في تثبيت موقعه كفاعل إقليمي ودولي وازن، واستطاع تحويل قضية الصحراء المغربية إلى رصيد دبلوماسي متقدم، في وقت يعيش فيه النظام الدولي حالة إعادة تشكل، تتراجع فيها قوى تقليدية، وتبرز فيها دول قادرة على وضوح الرؤية وحسن إدارة التحالفات.
10/02/2026