في الثامن من دجنبر 1975، تجرّع آلاف المغاربة مرارة التهجير القسري من الجزائر، في خطوة أعلنتها السلطات الجزائرية آنذاك خلال عيد الأضحى، وأُطلق عليها اسم “المسيرة الكحلاء”، في سياق التوتر الذي أعقب المسيرة الخضراء. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري عابر، بل عملية اقتلاع جماعي شملت أسرًا استقرت لعقود في الجزائر، وخلّفت وراءها ممتلكات وذكريات وروابط إنسانية عميقة. وبين ليلة وضحاها، وجد رجال ونساء وأطفال أنفسهم أمام واقع قاسٍ، تُركت فيه جراح لم تندمل رغم مرور خمسين عاماً.
من بين هؤلاء حميد العاطي الله، الذي كان طفلاً لحظة التهجير ويترأس اليوم جمعية الدفاع عن المغاربة ضحايا التهجير القسري من الجزائر. يروي أن والده، الذي عمل في الجزائر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أُحيل على التقاعد قبل سنة واحدة من الطرد، فيما تنحدر والدته من أسرة قدمت شهداء في حرب التحرير الجزائرية. ورغم هذا التاريخ المشترك، واجهت الأسرة ضغوطاً واعتقالات وحملات تحريض، قبل أن تُداهم قوات الأمن منزلها وتقتاد الأم وأطفالها إلى مراكز احتجاز في ظروف وُصفت بالمهينة، شملت حرماناً من أبسط الحقوق الإنسانية وسوء معاملة وتمييزاً. وفي 23 دجنبر 1975، نُقلت الأسر في حافلات نحو المعبر الحدودي، حيث خضعت لتفتيش دقيق وجُردت من ممتلكاتها قبل أن تعبر إلى المغرب في رحلة صامتة مثقلة بالأسئلة والخذلان.
عند وصولهم إلى المغرب، عاش المهجرون مرحلة انتقالية صعبة في مخيمات وخيريات، قبل أن يتفرقوا بين مدن مختلفة بحثاً عن الاستقرار، فيما فقد كثيرون مصادر رزقهم ومدخراتهم في الجزائر. وبعد نصف قرن، تواصل الجمعية التي يرأسها حميد تحركاتها الحقوقية على الصعيدين الوطني والدولي، مطالبة باعتراف رسمي بواقعة التهجير وفتح ملفات المختفين وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الجماعية. وقد وُجهت مذكرات إلى مؤسسات وطنية وهيئات أممية، في مسعى لإدراج القضية ضمن الأجندة الحقوقية والدبلوماسية، وترسيخها كصفحة من التاريخ المغاربي تستدعي الإنصاف والمصالحة وصون الكرامة الإنسانية.
10/02/2026