بعد تعثّر مشروعها السابق مع المملكة المتحدة، تعود الشركة البريطانية «إكسلينكس» إلى الواجهة بمخطط جديد يهدف إلى ربط المغرب بفرنسا عبر كابل كهربائي بحري، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للمملكة كمحور إقليمي في مجال الطاقات المتجددة.
وبحسب تقرير لموقع «أفريكا إنتليجنس»، فإن المشروع الجديد، الذي يحمل اسم «قنطرة ميد»، يقوم على مدّ كابل تحت مياه البحر الأبيض المتوسط لنقل الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط، مستفيدًا من الإمكانات الكبيرة التي يزخر بها المغرب في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
المسار المقترح للكابل سيربط جهة الناظور، شمال المغرب، بأحد الموانئ الفرنسية، ويرجّح أن يكون ميناء مرسيليا. ولتتبع هذا المشروع الاستراتيجي، أحدثت الشركة البريطانية سنة 2024 فرعًا لها بفرنسا تحت اسم «إليمنتال باور»، وأسندت إدارته إلى الفرنسي لويس بلانلوي تيرو.
ويأتي هذا التحرك بعد أن أجهضت الحكومة البريطانية مشروعًا ضخمًا كانت تعتزم «إكسلينكس» من خلاله ربط المغرب بالمملكة المتحدة عبر كابل كهربائي بحري. المشروع، الذي قُدّرت كلفته بحوالي 25 مليار جنيه إسترليني (نحو 29 مليار يورو)، رُفض في يونيو الماضي من طرف حكومة رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر، التي فضّلت تعزيز قدرات الإنتاج الطاقي المحلي بدل الاعتماد على الاستيراد.
وشكّل القرار مفارقة سياسية، إذ إن الحكومة المحافظة السابقة بقيادة ريشي سوناك كانت قد منحت المشروع، في شتنبر 2023، صفة «مشروع ذي أهمية وطنية»، قبل أن يتم التخلي عنه لاحقًا.
المشروع الجديد يعيد التأكيد على جاذبية المغرب كشريك موثوق في مجال الطاقات النظيفة، في ظل استثماراته المتواصلة في البنيات التحتية الطاقية وموقعه الجغرافي الاستراتيجي القريب من أوروبا. كما يعزز توجه الرباط نحو ترسيخ مكانتها كمصدر رئيسي للطاقة الخضراء نحو القارة الأوروبية، خاصة في سياق سعي الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادره الطاقية وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية.
وفي النهاية، لا يبدو مشروع «قنطرة ميد» مجرد كابل كهربائي عابر لأعماق المتوسط، بل أشبه بشريان استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ الطاقي بين الضفتين. فبينما أغلقت لندن الباب في وجه الرباط، فُتح باب آخر نحو باريس، في مشهد يؤكد أن الرهانات الكبرى لا تموت… بل تغيّر اتجاهها فقط.
هكذا، ومن قلب الناظور، قد تنطلق شرارة طاقة خضراء تعبر البحر، لا لتنير المدن الأوروبية فحسب، بل لتكرّس موقع المغرب كفاعل وازن في معادلة التحولات الطاقية الكبرى.
وفي انتظار اتضاح الرؤية بشأن الجوانب التقنية والتمويلية، يبدو أن «قنطرة ميد» قد تفتح صفحة جديدة في التعاون الطاقي بين الرباط وباريس، وتؤكد أن المغرب بات رقمًا صعبًا في معادلة الأمن الطاقي الأوروبي.
11/02/2026