في مشهد يصلح لعناوين الإثارة أكثر مما يصلح لنقاش عمومي رصين، خرجت بعض المنابر اليمينية وهي تضرب أخماسًا بأسداس، وكأن “قيام الساعة” بات وشيكًا، فقط لأن وزارة الداخلية الإسبانية بقيادة فرناندو غراندي-مارلاسكا قررت اعتماد اللحوم الحاصلة على شهادة “حلال” داخل سجون سبتة ومليلية المحتلتين. فجأة تحولت وجبة غذائية إلى “تهديد حضاري”، وأصبح احترام القناعات الدينية مؤامرة كونية تستهدف هوية أوروبا.
الصحيفة التي قادت حملة النفخ الإعلامي، أوكي دياريو، تعاملت مع القرار كما لو أنه فتح رسمي لـ“أسلمة السجون”، متناسية – أو متناسِية عن قصد – أن القوانين السجنية نفسها تنص منذ سنوات على احترام خصوصيات السجناء الصحية والدينية والثقافية، بما فيها الأنظمة الغذائية الخاصة، سواء تعلقت بالحلال أو النباتي أو الخالي من الغلوتين.
والأطرف في المشهد أن نفس الأصوات التي تصرخ اليوم دفاعًا عن “العلمانية المهددة”، لا ترى أي بأس في قوائم طعام خاصة لأسباب طبية أو اجتماعية، لكنها تصاب بالحساسية المفرطة فور اقتران الأمر بالدين الإسلامي، وكأن المشكلة ليست في المبدأ بل في هوية المستفيدين منه.
القرار، في جوهره، لا يعدو كونه إجراءً إداريًا لضمان توفير غذاء يحترم قناعات جزء من النزلاء، وبكلفة محدودة لا تتجاوز بضعة يوروهات يوميًا، لكن اليمين المتطرف حوّله إلى معركة وجود، لأن لا شيء يحرّك جمهوره مثل خلط الدين بالهواجس والخوف من “الآخر”.
الأمر نفسه يتكرر مع مشروع تعميم مرونة القوائم الغذائية في المدارس والمستشفيات العمومية، الذي تدعمه حكومة بيدرو سانشيز ووزارة الحقوق الاجتماعية بقيادة بابلو بوستيندوي، حيث جرى تقديمه كتنازل خطير بدل اعتباره خطوة بسيطة نحو إدارة عقلانية لتعدد المجتمع الإسباني.
المفارقة الساخرة أن من يرفعون شعار “الحرية الفردية” صباح مساء، هم أول من يثور غضبهم عندما تُترجم هذه الحرية إلى احترام اختيارات دينية أو ثقافية لا تشبههم، لتتحول الحرية فجأة إلى امتياز محصور في نمط واحد من العيش والتفكير.
أما الإعلام المعادي، فقد وجد في كلمة “حلال” كنزًا لغويًا جاهزًا للعناوين النارية، متجاهلًا أن الأمر لا يتعلق بإجبار أحد على الأكل وفق الشريعة الإسلامية، بل بإتاحة خيار إضافي داخل مؤسسات عمومية تخدم فئات متنوعة، تمامًا كما تفعل أغلب الدول الحديثة.
ويبدو أن قطعة لحم أصبحت أخطر على “هوية إسبانيا” من البطالة، وأشد تهديدًا من أزمات السكن، وأعقد من مشاكل الصحة والتعليم. فمرحبا بعصر تُدار فيه المعارك الإيديولوجية في المطابخ، وتُقاس فيه الحضارات بطريقة الذبح، وتُختصر فيه سياسات التعايش في صحن عدس أو شريحة لحم.

