لم تعد قضية اختطاف امرأة مغربية ضواحي مورسيا مجرد خبر حوادث عابر، بعدما تبيّن أن الضحية التي تُدعى سلمى، عاشت ما يقارب عامين من الجحيم في قبضة شخص حوّل منزلًا معزولًا إلى فضاء للتعذيب الممنهج، حيث تعرضت للاحتجاز والاعتداء الجسدي والنفسي في ظروف لا إنسانية، قبل أن تنجح في الفرار بأعجوبة.
القضية سرعان ما تجاوزت بعدها الجنائي البسيط، لتكشف عن شبكة صمت مقلقة داخل الحي الذي وقعت فيه الجريمة، بعدما أظهرت التحقيقات أن بعض الجيران كانوا على علم بما يجري خلف الجدران، دون أن يتحرك فيهم ضمير أو تُقرع أجراس الإنذار، ما حوّل المأساة الفردية إلى فشل جماعي أخلاقي واجتماعي.
الأخطر في الملف أن الخاطف، الذي ينشط في الاتجار بالمخدرات، لم يكتفِ بالعنف والترهيب، بل لجأ إلى أسلوب أكثر خبثًا تمثّل في شراء الصمت بالممنوعات، حيث كان يقدّم المخدرات مقابل السكوت، محوّلًا الخوف إلى صفقة قذرة، والتواطؤ إلى عملة سوداء داخل محيط الجريمة.
وتشتبه السلطات في أن الموقوف كان “يشتري” تعاون ماريا، التي تقيم قرب القطعة الأرضية في سان خوسي دي لا فيغا حيث احتجز سلمى، مقابل المخدرات. وقد جرى توقيف هذه الجارة العجوز بتهمة التستر، بعدما تبيّن أنها كانت تعلم بما تتعرض له الضحية من تعذيب، لكنها اختارت الصمت.
بل إن ماريا نفسها هي من نقلت سلمى قبل أشهر إلى المستشفى بعد تعرضها لضرب مبرح أفقدها البصر في إحدى عينيها، دون أن تُخبر الطاقم الطبي بحقيقة الاحتجاز والعنف، في مشهد يلخص كيف يتحول الجار من شاهد محتمل إلى شريك بالصمت المتعمّد.
وقد مثلت المتهمة أمام العدالة وهي مكبّلة اليدين، قبل أن يُفرج عنها بمتابعة قضائية مع أمر بالابتعاد عن الضحية، فيما أُوقف جار آخر وأحد أقارب المشتبه به، ثم أُطلق سراحهما دون إحالتهما إلى المحكمة.
ومع توسع التحقيقات، تكشّف الوجه الإجرامي الكامل للمتهم، حيث عُثر على قارب محمّل بالمخدرات، إضافة إلى كميات كبيرة من الحشيش والكوكايين داخل منزل الاحتجاز، تحت إشراف قضائي من محكمة قرطاجنة، فضلًا عن أسلحة استُخدمت للتهديد والإخضاع.
أما هروب سلمى فكان فصلًا إنسانيًا مؤلمًا، إذ استغلت نوم جلادها وقفزت فوق الجدار، وسارت كيلومترات وهي منهكة حتى وصلت إلى منزل طليقها الذي نقلها فورًا إلى الطبيب.
وعند فحصها، تبيّن أنها كانت تعاني منذ مدة طويلة من الإهمال الطبي، حيث وُجدت على جسدها كدمات متعددة، وجرح في الرأس تطلّب غرزًا، وفقدان عدد من الأسنان، فيما كان أخطر ما أصابها فقدان البصر في إحدى العينين إثر اعتداء عنيف.
هذه القضية التي كشفتها الصحافة الإسبانية لا تفضح مجرمًا واحدًا فقط، بل تعري منظومة صمت وتواطؤ، تتحول فيها المخدرات إلى أداة قمع، ويغدو الجار شريكًا غير مباشر في الجريمة، فيما تصل العدالة متأخرة بعد أن يكون الجسد والروح قد دُمّرا.
قضية سلمى ليست حادثًا معزولًا، بل جرس إنذار خطير لما يحدث حين تلتقي الجريمة المنظمة بالخوف الاجتماعي، وحين يُترك الضحية وحيدًا في مواجهة الرعب، في غياب الضمير الجماعي الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن الإنسان.
