ليست كل الوثائق الاستعمارية مجرد أوراق صفراء أكل عليها الزمن، بل إن بعضها يتحوّل، على نحو مفارق ومثير للسخرية، إلى شهادات إدانة تاريخية وقانونية ضد من صاغها ووقّعها. والوثيقة الإسبانية الصادرة بتطوان بتاريخ دجنبر 1937 تندرج ضمن هذا الصنف النادر من النصوص التي تفضح، بوضوح لا يقبل التأويل، زيف الخطاب الإسباني المتأخر حول الصحراء المغربية.
فالوثيقة، الصادرة عن سلطات الحماية الإسبانية، تُوجّه أمراً صريحاً إلى السلطات المحلية في سيدي إفني والصحراء الخاضعة للاستعمار الإسباني (الساقية الحمراء ووادي الذهب)، تدعوها إلى إقامة صلاة عيد الفطر لسنة 1356 هـ بالدعاء باسم الخليفة المغربي مولاي الحسن بن المهدي بن إسماعيل، بصفته إماماً ومرجعية شرعية. وهذا المعطى ليس تفصيلاً دينياً عابراً، بل يحمل دلالة سياسية وسيادية عميقة، لأن الدعاء في الصلاة، وفق الأعراف الإسلامية، لا يكون إلا لوليّ الأمر الشرعي.
هنا، نجد الإدارة الاستعمارية الإسبانية نفسها مضطرة، رغم الاحتلال العسكري والإداري، إلى الاعتراف الضمني والعملي بالسيادة المغربية على تلك الأقاليم، من خلال احترامها للبنية الشرعية المرتبطة بالعرش المغربي. فالخلافة لم تكن مجرد واجهة بروتوكولية، بل امتداداً مباشراً لمؤسسة البيعة التي ربطت، تاريخياً، قبائل الصحراء بالسلطان المغربي.
والأكثر إحراجاً للخطاب الإسباني المعاصر أن هذه الوثيقة لا تصدر عن فقيه أو مؤرخ مغربي، بل عن جهاز رسمي تابع لدولة استعمارية، ما يجعلها شهادة صريحة من داخل «بيت الخصم»، تقطع الطريق على كل محاولات التزييف اللاحقة التي تسعى إلى تصوير الصحراء كـ«أرض بلا سيادة» أو ككيان منفصل عن الدولة المغربية.
وتزداد قيمة الوثيقة حين نضعها في سياقها الزمني والسياسي: سنة 1937، في ذروة نظام الحماية، ومع ذلك لم تجد إسبانيا بداً من ترتيب تبعية جميع الأراضي الواقعة تحت نفوذها في شمال غرب إفريقيا للسلطة المغربية، ولو عبر القناة الدينية والسياسية للخلافة. وهو ما يؤكد أن الاحتلال لم يكن يوماً سيادة، بل وضعاً إدارياً مؤقتاً فُرض بالقوة.
وللتاريخ أيضاً، فإن مولاي الحسن بن المهدي، الذي تُقرّ الوثيقة بشرعيته، لم يكن شخصية هامشية، بل أحد أفراد الأسرة الملكية، وسيصبح لاحقاً أول سفير للمغرب المستقل لدى المملكة المتحدة، في تجسيد حيّ لاستمرارية الدولة المغربية قبل الحماية وأثناءها وبعدها.
وفي زمن تتكاثر فيه المناورات الإعلامية والسياسية حول قضية الصحراء المغربية، تعود مثل هذه الوثائق لتتكلم بلغة الأرشيف البارد ومنطق الدولة العميق:
المغرب لم يختلق سيادته، ولم يستوردها بعد الاستقلال، بل حافظ عليها رغم الاستعمار، بشهادة المستعمر نفسه.
إنها وثيقة واحدة، نعم، لكنها كافية لإرباك سرديات كاملة، ولتذكير من يحتاج التذكير بأن الصحراء لم تكن يوماً خارج الجغرافيا السياسية للمغرب…
حتى عندما كانت إسبانيا تكتب القرارات باسمها، كانت تُقرّ، من حيث لا تريد، بأن الأرض مغربية.
