ذ. محمد المهدي اقرابش
لا تزال البشرية محتاجة إلى استكناه واستخراج مزيدٍ من الدروس والعبر من حياة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو رحمة للعالمين، ورمز للحب والمودة والعطف والإخاء، وهو سيد الأنبياء والمرسلين وسيد العرب والعجم، بأبي وأمي هو سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن ذكر اسمه وقراءة سيرته وتمثل سلوكه صلى الله عليه وسلم فيها السعادة الأبدية والحكمة والخلاص والنجاة في الدنيا والآخرة. من اقتفى منهجه وتتبع أثره نجا نجاةً محققة. قال الله تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا” سورة الأحزاب الآية 21.
لقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة لتأسيس مجتمع عادل ومثالي، وهي مرحلة فاصلة في تاريخ الإنسانية. تضمنت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه دروسًا ومواعظ وقصصًا وفوائد روحية وأخلاقية واجتماعية عظيمة يحتاجها كل إنسان في حياته.
فدع ما ادعاه المفكرون والمؤرخون في عظمائهم وكبرائهم، وانظر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاملة والراقية.
لقد أطلقت المملكة العربية السعودية، مشكورة، مشروعًا عبقريًا للسياحة ولتوثيق طريق الهجرة النبوية، وهي مبادرة مباركة.
تهدف الخطة الموسومة بـ”على خطاه” إلى تمتين وتقوية العلاقة بسيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل خطوة في هذه الهجرة المباركة تحكي قصة.
ومن المعلوم أن السيرة النبوية لم تُخدم بالشكل المرتضى الذي يرقى، أو يكاد، إلى مقام وجناب الرسول صلى الله عليه وسلم، رغم كل الإنتاجات الكبيرة والكتابات العلمية والأدبية الكثيرة. كيف يكون هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم شمس ساطعة لا يدانيها أحد ولا يطاولها سماء!
لا تزال في النفس والفكر حاجة إلى تتبع وتلمس كل خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، ومن ضمنها هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، لأجل النهل من مورده المعين والأنس بسيرته العطرة.
إن روعة وفرادة مشروع المملكة العربية السعودية تكمنان في طريقة بسط قصص ووقائع الهجرة النبوية، إذ إن استعمال الوسائل الحديثة من تكنولوجيا ومعلومات وذكاء بشري واصطناعي، وأيضًا وسائل الترفيه والسياحة، هو فعال وله تأثير كبير على ترسيخ مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين وكل الزائرين. فما أروعها من سياحة وارتباط بالنبي صلى الله عليه وسلم وتمثل لخطواته الشريفة.
وهو مشروع سيشكل موردًا اقتصاديًا هامًا للمؤسسات باختلاف أنواعها، لذلك سيكون متقنًا ورائدًا على غرار دور السياحة والثقافة والمتاحف العالمية الكبرى، إلا أنه سيكون متحفًا ومعلمة ممتدة على مسافة 470 كيلومترًا، أي ما يقارب 292 ميلًا. وسيكون، بإذن الله، شرحًا حسيًا وملموسًا لمواقع تاريخية ووقائع عاشها النبي صلى الله عليه وسلم خلال رحلته المباركة.
تنطلق هذه المعلمة الممتدة من دار النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة إلى مسجد قباء، أول مسجد في الإسلام، وهو مسجد من صلى فيه ركعتين كان له بهما أجر عمرة كاملة، كما جاء في الحديث النبوي الشريف. لا شك في أن الضوابط الشرعية والقانونية ستُحترم للاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وسيذكر الزائر المسلم الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل محطة من محطات هذا المشروع الواعد، فيجمع بذلك بين الترفيه والترويح عن النفس والثقافة والعبادة. فشكر الله للمملكة العربية السعودية على هذه المبادرة الرائعة، وجعلها في ميزان حسنات القائمين عليها. وليس هذا بغريب عن أخيار وكرام خدموا الدين وخدموا حجاج ومعتمري وزوار بيت الله الحرام ومسجد رسول الله سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.
فاللهم ارزقنا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
والحمد لله رب العالمين.
17/02/2026