في أقصى الجنوب، حيث الريح تعيد ترتيب الكثبان كل مساء، وحيث تُقاس المشاريع بطول الطرق المعبَّدة لا بعدد “اللايكات”، يبدو أن هناك نسخة أخرى من أوسرد… نسخة رقمية أكثر إشراقًا وأسرع إنجازًا. نسخة تُشيَّد فيها المشاريع بضغطة زر، وتُدشَّن بمنشور مُحكم الصياغة قبل أن توضع أولى لبناتها على الأرض.
في تلك النسخة، لا وجود لتعقيدات المساطر ولا لتعثر الصفقات، فقط صور براقة وعناوين عريضة تسبق الواقع بخطوات.
مصادر عليمة من داخل عمالة أوسرد بجهة الداخلة وادي الذهب تؤكد أن عنصرًا سابقًا محسوبًا على جهاز القوات المساعدة، يُقال إنه أحيل على التقاعد، يتولى منذ مدة إدارة صفحة على موقع فيسبوك، تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى ما يشبه وكالة دعاية غير رسمية لتلميع صورة محمد رشدي، العامل السابق لإقليم الدريوش، والحالي لإقليم أوسرد.
الصفحة المذكورة لا تكتفي بتغطية الأنشطة البروتوكولية أو نقل البلاغات، بل تذهب بعيدًا في صناعة “حصيلة ذهبية” تُنسب فيها مشاريع ومنجزات وُصفت من طرف متتبعين بأنها إما لم تخرج بعد إلى حيز الوجود، أو لا تزال في طور الدراسة، أو لم تتجاوز حدود الاجتماعات التحضيرية.
باختصار: الإنجاز يتحقق أولًا على الشاشة، ثم يُترك الواقع ليلحق به… إن استطاع.
هذا النمط من “التواصل الموازي” يثير تساؤلات حقيقية حول حدود الأدوار خارج الإطار المؤسساتي. فمن خوّل لصفحة مجهولة الصفة أن تتحول إلى ناطق غير رسمي باسم حصيلة إدارية؟ وهل نحن أمام اجتهاد فردي بدافع الحماس، أم أمام صمتٍ يُبارك هذا التمدد الرمادي بين الرسمي والشخصي؟
في الإدارة، تُقاس الأمور بالأرقام الموثقة والتقارير الموقعة، لا بالمنشورات المزخرفة. وعندما تتحول فيسبوك إلى منصة لإنتاج واقع بديل، فإن أول ما يتضرر هو الثقة العامة. فالمواطن، حين لا يجد المشروع الذي قرأ عنه، سيكتشف أن بين الصورة والحقيقة… فجوة بحجم الصحراء.
وإذا كان الجدل اليوم يدور في أوسرد، فإن الذاكرة القريبة لا تزال تحتفظ بمحطات سابقة.
في إقليم فجيج، رافقت الوعود مسار المسؤول ذاته، ودار نقاش واسع حول حصيلة بعض المشاريع المعلنة آنذاك، بين من رأى فيها بداية مسار تنموي، ومن اعتبرها أقل من سقف الانتظارات.
وفي الدريوش، طُويت مرحلة إدارية لم تخلُ من انتظارات كبيرة وأسئلة معلقة حول ما تحقق فعليًا، وما ظل في خانة “قريبًا” التي طال انتظارها.
اليوم، ومع انتقال المشهد إلى أوسرد، يبدو أن الشريط يُعاد عرضه مع تغيير الديكور فقط: نفس العناوين المتفائلة، نفس اللغة الاحتفالية، ونفس السباق المحموم بين المنشور والواقع.
في اللقطة الأخيرة من هذا الفيلم الإداري، قد تنطفئ أضواء الصفحة، وقد تختفي المنشورات في زحام الخوارزميات، لكن ما لن يختفي هو أثر الحقيقة على الأرض.
فالتاريخ الإداري لا يُكتب بعدد المشاركات، بل بعدد المشاريع التي صمدت أمام الزمن واختبرت جدواها في حياة الناس.
وعندما يُسدل الستار، سيبقى سؤال واحد يطارد المشهد:
هل كانت أوسرد محطة لترسيخ تنمية حقيقية تُرى وتُلمس؟
أم مجرد فصل جديد في سلسلة “الأوهام الجميلة” التي بدأت في فجيج والدريوش… وتبحث دائمًا عن شاشة جديدة للعرض؟
18/02/2026