في الأقاليم الجنوبية للمملكة يحل شهر رمضان حاملاً أجواء روحانية واجتماعية متفردة، حيث تمتزج حرارة الصحراء بدفء العادات المتوارثة، ليغدو الشهر الفضيل مناسبة لاستحضار قيم التضامن والسكينة وتعزيز الارتباط بالهوية الحسانية. ويستقبل السكان رمضان باحتفاء خاص تتجاور فيه الشعائر الدينية مع طقوس اجتماعية راسخة، إذ تنشط أعمال البر وصِلات الرحم قبل حلول الشهر، بينما يسارع الميسورون إلى إخراج الزكاة طلباً للأجر. كما تحرص الأسر على إشراك الأطفال تدريجياً في الصيام وتعزيز ارتباطهم بالقرآن، في إطار تربية دينية مبكرة تعكس مكانة الشهر داخل الذاكرة الجماعية، رغم تراجع بعض الممارسات القديمة مثل حلق رؤوس الصغار تيمناً ببداية رمضان.
وعلى المائدة يحافظ المطبخ الصحراوي على بساطته المميزة مع إيقاع رمضاني خاص يقوم على وجبات منتظمة. يبدأ الإفطار بالتمر وحساء تقليدي من الحبوب، قبل حضور مشروب “الزريك” الذي يعد ركناً أساسياً، سواء أُعد من لبن الإبل أو الغنم، ويُقدّم في أوانٍ تقليدية تعكس روح المكان. ولا تكتمل المائدة دون “أتاي” الصحراوي الذي يتجاوز كونه مشروباً ليصبح رمزاً للضيافة والكرم، حاضراً في مختلف لحظات اللقاء. وبعد الإفطار تُقدّم أطباق اللحم المشوي أو المطهو، غير أن ارتفاع أسعار اللحوم يفرض تحديات على الأسر، فيما يظل حضور السمك محدوداً رغم وفرة الثروة البحرية، بسبب كلفته المرتفعة وعوامل ثقافية لدى بعض الفئات. أما السحور فيتنوع بين أطباق تقليدية وأرز باللحم أو الاكتفاء بالزريك بعد جلسة شاي هادئة تختزل بساطة ليالي رمضان الصحراوية.
وتتحول أمسيات الشهر إلى فضاءات للترفيه الجماعي تستعيد فيها الألعاب الشعبية حضورها، رغم تهديد بعض هذه الممارسات بالتراجع أمام أنماط ترفيه حديثة. وتبرز لعبة “السيك” كواحدة من أشهر الألعاب النسائية خلال ليالي رمضان، حيث تتنافس مجموعات باستعمال أعواد مزخرفة وسط أجواء من الزغاريد والتفاعل الجماعي الذي يعيد للفضاءات النسائية حيويتها. كما تحضر ألعاب أخرى مثل “اكرور” التي تجمع بين الترفيه وتنمية التركيز، بينما يجتمع الرجال، خصوصاً كبار السن، حول لعبة “الظامة” التي تقوم على التخطيط والتكتيك وتتحول جلساتها إلى مجالس تأمل ومتابعة دقيقة. وإلى جانب ذلك تستمر ألعاب مثل “مرياس” والدومينو وألعاب الورق في تشكيل جزء من السهرات، ليواصل رمضان في الصحراء نسج ذاكرة سنوية تجمع بين العبادة والعادة وتؤكد خصوصية هذا الشهر في وجدان المنطقة.
19/02/2026