kawalisrif@hotmail.com

الواردات الإسبانية من المغرب تحلّق عاليا والصادرات تتراجع … والأرقام تكشف قوة الشراكة !

الواردات الإسبانية من المغرب تحلّق عاليا والصادرات تتراجع … والأرقام تكشف قوة الشراكة !

في كل مرة تنشر فيها بعض منابر اليمين الإسباني أرقاما تخص المبادلات التجارية بين الرباط ومدريد، تسارع إلى تقديمها وكأنها “فشل سياسي” أو “رهان خاسر” لرئيس الحكومة الإسبانية پيدرو سانشيز. غير أن القراءة المتأنية للأرقام، بعيدا عن العناوين المثيرة، تكشف حقيقة مختلفة تماما: شراكة استراتيجية تتعمق، وتوازن تجاري يتطور في سياق اقتصادي عالمي مضطرب.

منذ التحول في موقف مدريد بخصوص ملف الصحراء المغربية، دخلت العلاقات المغربية-الإسبانية مرحلة جديدة عنوانها الوضوح السياسي والتعاون العملي. هذا التحول لم يكن مجرد بيان دبلوماسي، بل تُرجم إلى اتفاقيات مالية، ومشاريع مشتركة، وتدفقات تجارية متبادلة.

صحيح أن الصادرات الإسبانية إلى المغرب سجلت تراجعا طفيفا في 2025، لكن في المقابل ارتفعت الواردات الإسبانية من المغرب إلى مستويات قياسية. وهذه المعادلة لا تعني “خسارة مدريد”، كما تحاول بعض الأقلام تصويرها، بل تعكس دينامية اقتصاد مغربي صاعد، أصبح قادرا على ولوج السوق الإسبانية بقوة أكبر.

الخطاب الذي تروج له بعض صحف اليمين يقوم على فكرة ضمنية مفادها أن الميزان التجاري يجب أن يبقى دائما راجحا لصالح إسبانيا، وإلا اعتُبر الأمر “انتكاسة”. هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية: العلاقات بين الرباط ومدريد لم تعد قائمة على منطق التبعية الاقتصادية، بل على التكامل والمصالح المتبادلة.

المغرب اليوم ليس مجرد سوق استهلاكية للمنتجات الأوروبية، بل منصة صناعية وتصديرية، خاصة في قطاعات السيارات، النسيج، الفلاحة والصناعات الغذائية. وارتفاع الصادرات المغربية نحو إسبانيا يعكس نجاح هذا التموقع، لا “اختلالا” في العلاقة.

من غير المنطقي عزل أرقام 2025 عن سياقها الدولي: تباطؤ اقتصادي أوروبي، تقلبات في أسعار الطاقة، اضطرابات سلاسل التوريد، ومنافسة آسيوية متصاعدة. في هذا المناخ، الحفاظ على مستوى تبادل يفوق 20 مليار يورو بين البلدين يعد في حد ذاته مؤشرا على متانة العلاقة.

كما أن التعاون الطاقي، خاصة بعد إغلاق أنبوب الغاز المغاربي، أظهر أن الرباط ومدريد قادرتان على تحويل الأزمات إلى فرص، عبر إعادة توجيه تدفقات الغاز وتعزيز التنسيق الاستراتيجي.

في المغرب، يُنظر إلى هذه الأرقام باعتبارها دليلا على تحول نوعي: اقتصاد وطني يرسخ حضوره في السوق الأوروبية، وشراكة سياسية تجاوزت منطق التوجس إلى منطق الثقة. أما محاولات تصوير الأمر كـ“فشل”، فهي تخدم بالأساس أجندات داخلية مرتبطة بصراع الأحزاب في إسبانيا أكثر مما تعكس حقيقة العلاقة الثنائية.

الواقع أن الرباط ومدريد دخلتا مرحلة براغماتية جديدة، عنوانها المصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي. ومن يقرأ الأرقام بعين سياسية ضيقة قد يرى “تراجعا”، أما من يقرأها بعين استراتيجية فسيرى إعادة توازن طبيعي بين اقتصادين متكاملين.

وتبقى الحقيقة بسيطة: حين ترتفع المبادلات، وتتوسع المشاريع، وتُوقّع الاتفاقيات، فإن الضجيج الإعلامي لا يغيّر جوهر المعادلة. الشراكة المغربية-الإسبانية اليوم أقوى من عناوين الإثارة، وأبعد من حسابات اليمين واليسار.

20/02/2026

مقالات خاصة

Related Posts