في مشهد سياسي مُشبّع بالرمزية، اختار حزب الأصالة والمعاصرة عقد اجتماع “رمضاني” بطعم الحريرة، مساء أمس الجمعة، داخل فندق ميركور، في محاولة مكشوفة لفكّ عقدة تنظيمية خانقة يعيشها الحزب بإقليم الناظور، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة نهاية صيف 2026. مائدة الإفطار بدت عادية في ظاهرها، لكنها أخفت في باطنها صراع تزكيات مبكر وحرب خلافة صامتة تُدار على نار هادئة… فيما لهيبها يتصاعد.
اللقاء ، عرف حضور ثقل حزبي وازن: أعضاء من المكتب السياسي، قيادات جهوية، ورؤساء جماعات ترابية، إضافة إلى أسماء كانت مجمّدة وعادت فجأة إلى الواجهة. الهدف المعلن كان “لمّ الشمل”، أما الهدف غير المعلن—كما تُسرّب الكواليس—فهو ترتيب بيت “الجرار” على مقاس مرحلة جديدة، عنوانها الحسم المبكر في اسم مرشح الحزب بدائرة الناظور.
في قلب هذا الحراك، يطفو اسم محمد المومني رئيس جماعة تزطوطين، بقوة. مصادر داخل الحزب تتحدث عن ضوء أخضر غير مُعلن مُنح له سلفًا، وأن اجتماع الإفطار لم يكن سوى محطة لتأمين الاصطفاف خلفه، وتليين المواقف، وفرض منطق “الانضباط التنظيمي” تفاديًا لأي تمرّد انتخابي قد يُربك الحسابات لاحقًا. اللقاء قُدّم ظاهريًا كمحطة تشاورية، لكنه عمليًا بدا محاولة لإضفاء الشرعية على تزكية محسومة سلفًا، دون المرور عبر المساطر التنظيمية أو مراعاة موازين القبول المحلي.
مصادر من داخل الحزب، ومن محيط رئيس جماعة تزطوطين، تؤكد أن المومني لا يحظى بالترحاب وسط عدد من الفاعلين الباميين، وتُسجّل عليه ( بحسبها ) غياب التراكم السياسي، وسوابق مثيرة للجدل، وسلوكًا يوصف بالمتعالي والأناني. ورغم ذلك، تتحدث المصادر نفسها عن اتفاق غير معلن جرى ترتيبه مع القيادة المركزية لضمان التزكية، في تجاوز صارخ لإرادة القواعد.
وبينما كانت الملاعق تُحرّك الحريرة، لبلة أمس بفندق ميركور، بالناظور ، كان الغياب الأبرز يصرخ بصمت: إقصاء النائب البرلماني الحالي رفيق مجعيط، الرئيس السابق لجماعة الناظور ، غيابٌ لم يكن تقنيًا ولا عرضيًا، بل رسالة سياسية فظة مفادها أن الرجل صار خارج الحسابات … أو هكذا يُراد له أن يبدو.
إقصاء مجعيط فجّر غضبه. ففي تصريح له، اعتبر ما جرى تلاعبًا غير مقبول وحرمانًا تعسفيًا من الحضور دون أي مبرر تنظيمي، مؤكدًا أنه تعرّض خلال الأمسية نفسها لوابل من الإتهامات والتهجم من طرف محمد المومني وسهيلة الصبار، رئيسة المرأة البامية بالجهة الشرقية، في سلوك وصفه بـ“المنفلت وغير السياسي”.
مصدر حزبي بالإقليم لم يتردّد في القول إن صفحة مجعيط “طُويت نهائيًا”، مبرّرًا ذلك بما سماه “أخطاء تنظيمية وتدبيرية”، دون تقديم توضيحات للرأي العام أو للمناضلين. تقييم داخلي ( يُقال ) حسم بأن المرحلة تتطلب “وجوهًا جديدة”، في خطاب يُخفي أكثر مما يُظهر، ويطرح سؤال الشرعية داخل تنظيم يرفع شعارات الديمقراطية الداخلية.
وتتقاطع هذه الرواية مع معطيات أخرى تُفيد بأن المومني، في جلسات ضيقة، لم يُخفِ انتقاده للأداء البرلماني السابق، معتبرًا أن الترافع لم يرقَ إلى انتظارات الساكنة، وأن الأسئلة البرلمانية لم تُترجم إلى أثر تنموي ملموس. تصريحات غير رسمية، لكنها كاشفة لحجم التوتر المكتوم وصراع الأجنحة الذي اختار هذه المرة مائدة إفطار مسرحًا له.
الأخطر في المشهد أن تسريبات متطابقة تؤكد أن مجعيط لوّح صراحة بخوض غمار الانتخابات المقبلة بلون سياسي مغاير، مؤكّدًا عزمه دخول المعترك وعدم القبول بمنطق الإقصاء والتهميش. كما كشفت مصادر متقاطعة أنه باشر اتصالات مع حزب الاتحاد الدستوري، حيث تواصل مع أمينه العام محمد جودار لبحث إمكانية نيل تزكية الحزب.
مائدة “الحريرة” بفندق ميركور قد لا تُطفئ نار الخلاف، بل ربما تزيدها اشتعالًا. بين تزكية تُطبخ في الظل وإقصاء يُنفّذ بلا تبرير مقنع، يبدو أن المعركة داخل الأصالة والمعاصرة بالناظور انطلقت قبل أوانها. معركة لا تُدار في القاعات الرسمية، بل في الكواليس، حيث تُخلط السياسة بالولائم، والقرارات بالهمس.
ويبقى السؤال معلقًا: هل ينجح “الجرار” في رأب صدعه الداخلي، قبل لقاء فاس الذي سيجمع المومني رئيس جماعة تزطوطين ، والحمزاوي رئيس جماعة سلوان ، ومجعيط ، والذي سينعقد في الاسبوع المقبل ، أم أن حرارة الحريرة سترتفع كلما اقترب موعد الحسم، لتكشف أن الأزمة أعمق من مجرد اسم مرشح… وأن ما يُطبخ في الخفاء قد يحرق ما تبقى من ثقة القواعد؟
21/02/2026