لم تعرف قضية الصحراء المغربية، خلال السنوات الأخيرة، زخماً دبلوماسياً بهذا الإيقاع المتسارع. ثلاث جولات من المشاورات في أقل من شهر، قرار جديد صادر عن مجلس الأمن الدولي، وحركية لافتة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي… كلها مؤشرات تؤكد أن الملف لم يعد رهين الجمود، بل دخل مرحلة إعادة تموقع دولي عنوانها الواقعية السياسية وتضييق الخناق على الطروحات الانفصالية التي استهلكها الزمن.
بدأت هذه الدينامية في 21 يناير بواشنطن، خلال اجتماع بادر إليه مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، وشارك فيه وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، إلى جانب ممثلين عن جبهة البوليساريو. شكل اللقاء إشارة واضحة إلى عودة الزخم الأمريكي المباشر للملف، في إطار مقاربة تسعى إلى اختبار إمكانيات الدفع نحو حل سياسي عملي.
الجولة الثانية انعقدت يومي 8 و9 فبراير في مدريد، داخل مقر إقامة السفير الأمريكي، في سياق تشاور موسع عكس انخراطاً دبلوماسياً متعدد الأطراف. أما الجولة الثالثة، التي احتضنتها فلوريدا يومي 23 و24 فبراير، فقد نقلت إليها واشنطن المحادثات بحثاً عن هامش أكبر من السرية والفعالية، بما يسمح بنقاش أكثر عمقاً بعيداً عن الضغوط الإعلامية.
هذا التسلسل الزمني المكثف يؤكد أن الملف لم يعد يُدار بإيقاع روتيني، بل دخل مرحلة جس نبض سياسي جدي، في ظل مرجعية أممية واضحة يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، وتستند إلى قرارات مجلس الأمن التي تشدد على حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق.
في قلب هذه الدينامية، يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي كأرضية صلبة تحظى بدعم متنامٍ. فمنذ أن تقدم المغرب سنة 2007 بمبادرته، وهو يطرح تصوراً متكاملاً يتيح لساكنة الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم عبر مؤسسات منتخبة واختصاصات واسعة، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.
المبادرة، التي تُعد ثمرة رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على توزيع متوازن للاختصاصات: تحتفظ الدولة بصلاحياتها السيادية في الدفاع والأمن والعلاقات الخارجية، مقابل تمكين الجهة من صلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد وصفتها قرارات مجلس الأمن مراراً بأنها “جدية وذات مصداقية”، وهي صيغة دبلوماسية تحمل في طياتها اعترافاً واضحاً بواقعية الطرح المغربي.
وفي المقابل، لم يعد خافياً أن خيار الاستفتاء، الذي رُوّج له لعقود، أثبت استحالته العملية والسياسية، سواء بسبب إشكالية تحديد الهيئة الناخبة أو بفعل التحولات الجيوسياسية التي تجعل من منطق التقسيم وصفة لعدم الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء.
أمام هذا التطور، تبدو الأطروحات الانفصالية أكثر عزلة من أي وقت مضى. عشرات الدول من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا افتتحت قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، في اعتراف عملي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. كما أن قوى دولية وازنة باتت تعتبر الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية لتسوية النزاع.
أما محاولة تقديم النزاع كقضية “تصفية استعمار” بمعزل عن السياق الإقليمي، فلم تعد تجد الصدى ذاته داخل المنتديات الدولية. فالمعطيات السياسية تؤكد أن الجزائر طرف رئيسي في النزاع، وهو ما تعكسه مشاركتها في الموائد المستديرة الأممية، رغم محاولات تقديم نفسها كـ“دولة مجاورة” فقط.
داخل الأمم المتحدة، تكرّس القرارات الأخيرة لمجلس الأمن مفاهيم الحل السياسي الواقعي والقائم على التوافق، وهي عبارات تؤسس لمسار تفاوضي محدد السقف، يضع الحكم الذاتي في صلب أي تسوية مستقبلية.
وبموازاة الحراك الدبلوماسي، تشهد الأقاليم الجنوبية طفرة تنموية غير مسبوقة: ميناء الداخلة الأطلسي، استثمارات ضخمة في الطاقات المتجددة، بنى تحتية حديثة، ومشاريع اجتماعية واقتصادية كبرى. هذه الدينامية تجعل من الصحراء قطباً استراتيجياً يربط المغرب بعمقه الإفريقي، وتحوّل النقاش من جدل سياسي عقيم إلى واقع تنموي ملموس.
اليوم، ومع تسارع المشاورات الدولية، يتضح أن الزمن لم يعد في صالح الطروحات الانفصالية. العالم يبحث عن الاستقرار، وعن شراكات موثوقة، وعن حلول قابلة للتطبيق، لا عن كيانات هشة في منطقة تعج بالتحديات الأمنية.
24/02/2026