kawalisrif@hotmail.com

رأي :     الخلاف حول تحديد بداية رمضان لسنة 2013 ميلادية ولسنة 2026 ميلادية، مؤشر على انقسام المسلمين بفرنسا

رأي : الخلاف حول تحديد بداية رمضان لسنة 2013 ميلادية ولسنة 2026 ميلادية، مؤشر على انقسام المسلمين بفرنسا

بقلم :   ذ. محمد المهدي اقرابش

زرت بلدي المغرب قبل رمضان المبارك لهذا العام بأيام معدودات، لأتبرك وأحظى بالجلوس مع أمي، ولأحادثها وأنال من دعائها الصالح. وكانت عودتي إلى فرنسا مقررة مساء يوم التاسع والعشرين من شعبان.

مكثت ذلك اليوم في بيتي أقلب صفحات كتابي وأمي بجانبي، وما إن وجهت بصري صوب التلفزيون الذي يبث الأخبار حتى قرأت خبراً عاجلاً مفاده أن المحكمة العليا للمملكة العربية السعودية تعلن غداً الأربعاء 18 فبراير غرة رمضان 2026 ميلادية.

فقلت: اللهم سلّم سلّم! سيكون الخلاف محتدماً بين المسلمين في الغرب، وخاصة فرنسا، بشأن تحديد أول رمضان لهذا العام، كما كان الحال عليه سنة 2013م. وقد عشت هذه التجربة المريرة عندما كنت خطيباً وإماماً في مسجد الإمام البخاري بمدينة أڤينيون. اضطُرِرتُ آنذاك إلى أن أخبر المسلمين قبل أذان صلاة الظهر أن أول رمضان هو غداً وليس اليوم! لأن المسؤولين والهيئات الباريسية قد تراجعوا عن قرارهم؛ قرار صدر وكأنه تعيين أو تحيين أو توجيه إداري، وعلل سبب وجوده الرغبة في توحيد المسلمين. تصببتُ عرقاً وشعرت بالحرج عند إعلاني لهذا الخبر السيئ! أمسك المسلمون عن الطعام والشراب نصف اليوم، ومن لم يبلغه الخبر فإنه صام اليوم كله، ومن أبى أن يفطر فقد أبى وأكمل يومه صوماً. أصيب رواد المسجد بالذهول، فكانوا بين محوقل ومتعجب وساخر ومُسَلِّم، وإني لأتفهم كل هؤلاء.

مرّ بخلدي طيف هذه الذكرى السيئة، وسألت الله أن لا نعيشها مجدداً في سنة 2026م، ولكن هيهات هيهات، فقد شاء الله غير ما رجوت.

وبينما أنا في السيارة متوجهاً إلى مطار الرباط، إذا بهاتفي يرن، وفي الطرف الآخر مسؤول قائم بشؤون المسجد الذي أخطب فيه الجمعة في فرنسا. فسألني: ما أقول للمسلمين؟ هل الصوم غداً أو بعد غد؟

فقلت: أمهلني وسأرد عليك.

اتصلت من فوري بفقهاء وأئمة ومسؤولي كبريات المساجد والمؤسسات الدينية في فرنسا، فوجدتهم في انقسام بين من يرى الصيام يوم الخميس بناء على الحساب الفلكي الدقيق، وهو ما تم اعتماده بتوافق الجميع فيما مضى، ومن يرى الصيام بناء على رؤية المملكة العربية السعودية وما جاورها، متراجعاً عن مبدأ الأخذ بالحساب الفلكي ونزولاً عند قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وكل فريق يصر على رأيه، وكلٌّ يحوقل ويدين ويتهم الآخر بالتسييس وينفيه عن نفسه. فتفرق المسلمون شذر مذر، وصار كلٌّ يفتي ويقول ويرجح!

استشرتُ فضلاء من علماء وأئمة وفقهاء في وسط وخضم هذا النزاع، فاستقر الرأي بعد تفكير وتقليب النظر على الصوم بناء على ما جرى به العمل في فرنسا، وبناء على قول السادة المالكية في ثبوت دخول شهر رمضان، وكذلك بناء على استشارة من رأى الصوم يوم الأربعاء لأئمة وفقهاء في أمر الصيام، وهي أمور مرجِّحة لأن المسألة دينية وليست فقط إدارية تمثيلية أو تقنية. فالأمر جلل والخطب صعب، فلا محاباة ولا مجاراة، ومن ذا الذي يطيق تحمل هذه المسؤولية؟ والفقيه يجيب بما هو مقتنع به، والله المستعان.

لا يزال الإشكال عالقاً مع كل الأسف، إذ نتوجس خيفة مما قد يقع عند إحياء ليلة القدر، أما عيد الفطر فهو ثالثة الأثافي والآزفة، بعد الخلاف حول أول رمضان وليلة القدر.

والمؤمل الآن هو أن يجتمع المسلمون كلهم في مؤسسة واحدة، أو على رأي فقهي واحد، لنخرج بأقل الأضرار من هذه الأزمة، على الأقل في البلد الواحد، ولو أني أراه غير قريب المنال. وإلا فكبر أربعاً على وحدة المسلمين ووئامهم في عباداتهم.

تقبل الله منا ومنكم الصلاة والصيام

24/02/2026

مقالات خاصة

Related Posts