يبدو أن ساكنة الناظور دخلت رسمياً مرحلة التعايش مع مشروع حضري من طراز خاص: “التأهيل الممتد”. البداية كانت بشوارع الحسن الثاني، والحسن الأول، وطريق تاويمة (محج محمد السادس)، حيث تحوّل الحلم بأرصفة أنيقة وطرقات معبّدة إلى مشهد يومي من الغبار والحفر وانتظارٍ مفتوح على كل الاحتمالات.
في البداية، صفق الناس. قالوا: أخيراً ستتنفس المدينة. اليوم، يتنفسون… لكن عبر طبقات من الغبار المتطاير الذي اقتحم البيوت والمحلات دون استئذان. نوافذ مغلقة بإحكام، أبواب تُفتح بحذر، وتجار تحوّلوا من استقبال الزبائن إلى مسح الأتربة كل ساعة. من كان يعتقد أن “التأهيل الحضري” سيعيدنا إلى زمن الأقنعة الواقية داخل المحلات؟
لكن، حتى لا يُقال إن الأمر معزول أو ظرفي، قررت الأوراش أن تتمدد جغرافياً. في شارع المسيرة، محور لعري الشيخ في اتجاه 3 مارس، يتكرر السيناريو ذاته: رصيف يُقتلع، تزفيت مؤجل، مسارات تُغلق جزئياً، ولوحات تشوير تبدو وكأنها وُضعت لالتقاط الصور لا لتنظيم السير، مرفقة بعبارة “نلتمس المعذرة عن الإزعاج”، وكأن الاعتذار يكفي لتبرير فوضى يومية. المدينة تخضع لاختبار شامل، وتمنح السائقين تجربة مجانية في “رالي باريس–داكار” بنسخته المحلية؛ فكل حفرة مفاجأة، وكل منعطف احتمال خسارة جديدة.
في هذه النقاط، المشهد لا يقل إثارة. أرصفة نصف منجزة، مقاطع مزفّتة تنتهي فجأة في فراغ ترابي، وممرات للراجلين تتحول إلى مسالك وعرة. السائق يقود بعين على الطريق وأخرى على الحفرة القادمة، والراجل يمشي وكأنه يعبر حقل ألغام حضرياً. أما التجار، فقد صاروا خبراء في حساب “الخسارة اليومية” بدل حساب الأرباح.
المدينة اليوم لا تعيش ورشاً عادياً، بل تجربة متكاملة في “إعادة توزيع الأعصاب”. أسطول السيارات يواصل دفع الفاتورة: ممتصات صدمات تستسلم، إطارات تتشقق، ومحركات تتنفس الغبار بدل الهواء. وورشات الإصلاح، في المقابل، تشتغل بنشاط غير مسبوق، في مفارقة تختصر المشهد: التنمية تحرك العجلة… ولكن عجلة الجر نحو الميكانيكي.
وازداد المشهد قتامة مع تسجيل حوادث خطيرة كان يمكن تفاديها بأبسط شروط السلامة. سقوط مروّع لشجرة على سيارة خاصة خلّف خسائر مادية جسيمة، وحادث سقوط مالك مقهى “المنزه”، عمر نيبو، في بالوعة تُركت مفتوحة أثناء الأشغال، ما تسبب له في كسر خطير على مستوى الحوض، ولا يزال يعاني تبعاته الصحية. كلها مؤشرات على خلل عميق في تدبير الورش ومراقبته.
المثير في الأمر أن هذه الأوراش تُقدَّم باعتبارها جزءاً من رؤية لتحديث البنية التحتية. غير أن الرؤية، على الأرض، تبدو ضبابية بقدر الغبار المتطاير. لا رزنامة زمنية واضحة، ولا تواصل يشرح أسباب هذا البطء، ولا إشارات تطمئن الساكنة بأن نهاية النفق قريبة.
ربما أرادت الجماعة أن تمنح المدينة مظهراً عصرياً، لكن النتيجة المؤقتة — التي طالت أكثر من اللازم — جعلت الناظور تبدو كأنها تعيش بين مرحلتين: لا هي مدينة قديمة كما كانت، ولا هي حديثة كما وُعدت. فقط مدينة معلّقة بين الرصيف المخلوع والتزفيت غير المكتمل.
قد يكون من حق الساكنة أن تتساءل، ولو بنبرة ساخرة: هل التأهيل يعني أن نحفر كل شيء دفعة واحدة، ثم نترك الزمن يتكفل بالباقي؟ أم أن المدينة مطالَبة أولاً بتأهيل طرق تدبيرها قبل تأهيل طرقها الإسفلتية؟
24/02/2026