في زمن تتسارع فيه الخطى وتتشابك فيه الطرق بين المنافي والعواصم، تبقى هناك لحظة صامتة تعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى… إلى التراب الذي شهد خطوته الأولى، وإلى الأسماء التي صنعت ملامحه قبل أن تصنعه المناصب. ليست كل عودة حنينًا، ولا كل زيارة مجرد مرور عابر؛ فبعض الرحلات تكون إلى الداخل، إلى الجذور التي لا تُرى لكنها تشدّ الروح كلما ابتعد الجسد.
من هناك، من أرض البدايات في الريف، حيث الذاكرة أصدق من الصور، وحيث الدعاء لغة لا تحتاج إلى ترجمة، كتب أحمد مركوش فصلًا إنسانيًا جديدًا عنوانه الوفاء… وفاء لا تُلغيه المسافات ولا تُطفئه السنوات.
عاد أحمد مركوش، عمدة مدينة أرنهايم الهولندية، الأسبوع الماضي إلى حيث بدأت الحكاية الأولى من حياته؛ إلى الجذور الممتدة في قبيلة بويافر بجماعة إعزانن بإقليم الناظور. عودة لم تكن بدافع الحنين وحده، بل استجابةً لنداء داخلي يسكن القلب ويستحضر معنى “صلة الرحم”، تلك الروابط التي لا يوقفها الموت ولا تطويها المسافات.
وفي تدوينة مؤثرة، استعاد أحمد مركوش لحظات زيارته لقبور والديه وجدته، و”أمه الثانية” التي تكفلت بتربيته بعد الرحيل المبكر لوالدته، قبل أن تلتحق هي الأخرى ببارئها في 22 فبراير 2022. كلمات العمدة جاءت محمّلة بإحساس عميق بالوفاء، وهو يتحدث عن وقوفه فوق الأرض التي كانت عالمه الأول، حيث كانت الأصوات تعلو ذات يوم، وحيث لم يبق اليوم سوى الصمت… صمت يصغي إليه أكثر مما يتكلم.
وأكد مركوش أنه لم يذهب ليستعيد الماضي، بل ليؤدي واجب القلب. ففي تقاليدنا، كما يقول، تستمر روابط العائلة بالدعاء والذكر والحضور، حتى بعد أن يسبقنا الأحبة إلى الدار الآخرة. هناك، بين القبور، رفع يديه بالدعاء لمن منحوه الحياة والرعاية والحب، مؤكداً أن بعض الزيارات لا تُقاس بالكيلومترات، بل بما تحمله من معنى.
ولم يخلُ حديثه من استعارة بليغة، حين شبّه عودته بما تفعله السلاحف التي تعود، بعد عمرٍ من الترحال، إلى مكان ولادتها لتُكمل دورتها الأخيرة. “كأن الدائرة لا تُغلق إلا هناك”، يقول مركوش، مضيفًا أن هذه العودة لم تكن نهاية، بل اكتمالًا.
حزن صادق كان حاضرًا في المشهد، لكنه امتزج بفرح داخلي نابع من الامتنان لنعمة الزيارة والترحم. فبالنسبة لعمدة أرنيم، المسؤولية السياسية في أوروبا لا تلغي الجذور، ولا تُسقط واجب البرّ، ولا تُضعف خيط الانتماء الممتد بين المهجر والوطن.
هكذا يبعث أحمد مركوش برسالة صامتة لكنها عميقة الدلالة: يمكن للإنسان أن ينجح في مسارات الهجرة والقيادة، وأن يتبوأ مناصب كبرى في الخارج، لكنه يظل مشدودًا إلى تربة البدايات، حيث تشكلت الهوية الأولى، وحيث يبقى الوفاء عنوانًا لا يسقط بالتقادم.
