غداً الإثنين 02 مارس، يلتئم مجلس جهة الشرق في دورته العادية، وعلى الطاولة ما يقارب 40 نقطة، تكاد تختصر فلسفة التدبير الحالية: كثير من الاتفاقيات، كثير من الإلغاءات، كثير من “الملحقات التعديلية” … وقليل من الوضوح بشأن البوصلة التنموية !
الدورة التي يقودها رئيس الجهة محمد بوعرورو، الذي وصل فقط بلعبة حظ، ولامستوى سياسي أو ثقافي أو أكاديمي، تأتي في سياق سياسي دقيق، حيث يلاحظ المتتبع أن جدول الأعمال أقرب إلى برنامج حملة انتخابية مبكرة منه إلى أجندة مؤسسة جهوية يفترض بها ضبط الأولويات وفق العدالة المجالية، لا وفق الحسابات الحزبية.
النقطة الأولى تتعلق بتهيئة أرشيف جهة الشرق، خطوة مهمة بلا شك، لكن المفارقة تكمن في أن الجهة ما تزال تبحث عن أرشفة أولوياتها التنموية قبل أرشفة وثائقها. بعدها، ننتقل إلى بناء فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة ب صاكة ، إقليم جرسيف ، ، وإحداث “جسور الأسرة التربوية” في تاوريرت والدريوش وجرادة … مشاريع براقة في العناوين، لكن السؤال: هل تم تقييم أثر المشاريع السابقة، أم أن المنهج هو “أطلق اتفاقية… ثم عدّلها لاحقاً”؟
من أكثر ما يلفت الانتباه في جدول الأعمال، سلسلة إلغاءات لمقررات سابقة (590، 641، 452، 562، 561…) ثم العودة إلى المصادقة على مشاريع بديلة أو معدلة. دار الآفاق للنساء بالناظور تُلغى اتفاقيتها … ثم تعود في صيغة جديدة، سوق الجملة بالدريوش يُلغى … ثم يُعاد طرحه، واتفاقية تدبير الفرشة المائية بعين بني مطهر تُلغى … ثم تُعاد. هل الأمر أمام مراجعة تقنية طبيعية؟ أم أمام ارتباك في الرؤية؟ المواطن لا تعنيه أرقام المقررات بقدر ما تعنيه النتائج الملموسة على الأرض.
اقتناء جهاز إيكو غرافي للأطفال بالمركز الاستشفائي الجامعي بوجدة، وتجهيزات طبية لأقاليم محددة ، ودعم مستعجلات وإنعاش الأطفال … كلها نقاط تحظى بالإجماع، لكن التساؤل يظل قائماً : لماذا تتحول أبسط ضروريات المنظومة الصحية إلى إنجازات استثنائية تُقدَّم كمنح سياسية؟ أليست هذه من صميم اختصاصات الدولة والجهة دون الحاجة إلى إخراجها في قالب دعائي ؟
المتتبع لأجندة الدورة يلاحظ حضور مشاريع في جرادة، تاوريرت، الدريوش، بركان، بني درار، وجدة ، وأغلبها يقودها حزب الأصالة والمعاصرة الذي يترأس الجهة … بينما يبدو إقليم الناظور ، ومنذ إنتخاب التجمعية مينة عاطف كنائبة للرئيس بعد.تجديد مكتب مجلس الجهة الشرقية، أصبح بدون مدافع حقيقي عن مصالح الساكنة في الإقليم ، فعاطف همها الوحيد إستغلال سيارة الجهة الفارهة ، والتحول بها …. وكأن الإقليم يدخل جدول أعمال الدورات عبر “تصحيح مقرر ملغى” أكثر مما يدخل عبر رؤية متكاملة. إلغاء اتفاقية دار الآفاق بالناظور ثم إعادة طرحها في صيغة أخرى يطرح سؤالاً بسيطاً: لماذا لم تُحسم الأمور منذ البداية؟ الانطباع السائد لدى جزء من الرأي العام المحلي هو أن الإقليم لا يحظى بنفس الزخم السياسي داخل الأغلبية المسيرة.
إحداث أكاديمية جهوية للاقتصاد الاجتماعي، مركب للا مريم للتمكين السوسيو-اقتصادي، المرصد الجهوي، المنصة اللوجستيكية، القطب الإيكولوجي، المعرض الجهوي للاقتصاد الاجتماعي… القائمة طويلة والعناوين براقة. لكن في ظل قيادة حزب الأصالة والمعاصرة للجهة، يلاحظ أن كثيراً من هذه المشاريع تتمركز في دوائر نفوذ انتخابية واضحة. السؤال المشروع: هل نحن أمام رؤية جهوية متكاملة، أم أمام توزيع ذكي للنقط الاستثمارية استعداداً لاستحقاقات 2026؟
طلب قرض من صندوق التجهيز الجماعي، مع برمجة الفائض الحقيقي، يضع المالية الجهوية تحت المجهر. هل تتجه الجهة نحو التوسع في الاقتراض لتمويل مشاريع لم تُستكمل بعد، أم أن الأمر يتعلق بإعادة هيكلة مالية عادية؟ الشفافية في هذا الباب مطلوبة أكثر من أي وقت مضى.
في خضم كل ذلك، تتجه الأنظار إلى أداء بعض أعضاء المكتب، وعلى رأسهم النائبة الرابعة للرئيس مينة عاطف، المحسوبة على حزب الحمامة. منذ تشكيل المكتب الجديد، ظل حضورها في الترافع عن قضايا إقليم الناظور أقرب إلى “التمثيل البروتوكولي” منه إلى دفاع سياسي حقيقي، باستثناء بعض المداخلات الخجولة التي ظهرت بعد مرحلة بعيوي. ساكنة الإقليم التي كانت تنتظر صوتاً قوياً داخل الأغلبية، وجدت نفسها أمام صدى خافت بالكاد يُسمع وسط ضجيج الاصطفاف الحزبي. فهل الأمر مرتبط بسقف حركة منخفض داخل مكتب تُرسم توجهاته مسبقاً، أم أن الانضباط الحزبي وتجنب إزعاج مركز القرار أصبحا أولوية تتقدم على الترافع الجريء عن مصالح الناظور؟
من الإنارة المستدامة وفق مبادئ النجاعة الطاقية، إلى اتفاقيات مع الخطوط الملكية المغربية، إلى شراكات مع وزارة التربية والجامعة الملكية لكرة القدم… الجهة حاضرة في كل القطاعات تقريباً. لكن ما يغيب هو وضوح الأولويات وترتيبها: هل التنمية السياحية أولى؟ أم البنيات الصحية؟ أم الأسواق الإقليمية؟ أم البرامج ذات الطابع الرمزي؟
دورة مارس تبدو، في ظاهرها، غنية بالمشاريع والاتفاقيات، لكن بين كثرة التعديلات والإلغاءات وبين تركيز الاستثمارات في مجالات بعينها، يظل السؤال السياسي قائماً: هل يقود مجلس جهة الشرق مرحلة تثبيت تنموي متوازن، أم أننا أمام إدارة جهوية تتحرك بإيقاع حزبي، حيث تتحول الجلسات إلى محطات تموقع مبكر قبل سنة انتخابية ساخنة؟ الجواب لن يكون في بلاغات المصادقة، بل فيما سيتحقق فعلياً على أرض جهة الشرق… بعيداً عن منطق “اتفاقية اليوم… وملحق تعديلي غداً”.
01/03/2026