في خضمّ الانشغال الدولي بتطورات الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، اختارت صحيفة لا راثون الإسبانية أن تفتح جبهة من نوع آخر، ولكن هذه المرة على الورق، بعنوان مثير مفاده أن “المغرب ينفق ضعف ما تنفقه إسبانيا لتحديث جيشه”.
المقال قدّم صورة توحي بأن الرباط تطرق أبواب مدريد عسكرياً، وأن موازين القوى على الضفة الجنوبية للمتوسط انقلبت رأساً على عقب، في سردية أقرب إلى الدراما السياسية منها إلى تحليل استراتيجي متزن.
لا يختلف اثنان على أن المغرب باشر خلال السنوات الأخيرة برنامج تحديث واسع لقواته المسلحة، شمل اقتناء مقاتلات من طراز “إف ستة عشر”، ودبابات “أبرامز”، ومنظومات صاروخية متطورة، إضافة إلى استثمارات متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة. غير أن تحويل هذا المسار إلى ناقوس خطر يومي على إسبانيا، كما حاولت الصحيفة الإيحاء، يطرح أكثر من علامة استفهام.
فالإنفاق العسكري لا يُقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ فحسب، بل يُقاس بالقدرة الشاملة، وبالتحالفات، وبالعمق الاستراتيجي، وبالجاهزية العملياتية. وإسبانيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، تمتلك بنية دفاعية متكاملة وتحالفات دولية راسخة، لا يمكن اختزالها في مقارنة رقمية جامدة أو عنوان مثير.
المقال أعاد أيضاً تسليط الضوء على وضعيّة مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، متحدثاً عن “هشاشة دفاعاتهما” وغياب أنظمة مضادة للطائرات متوسطة المدى، في محاولة واضحة لربط أي تحديث مغربي محتمل بسيناريوهات صدام مباشر.
غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة ثابتة: المغرب أكد مراراً أن خياره الاستراتيجي يقوم على الاستقرار والشراكة، وأن علاقاته مع إسبانيا تمر عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، لا عبر فوهات المدافع. أما تحويل كل صفقة سلاح إلى “تمرين على غزو مفترض”، فهو خطاب يصلح لإثارة الانتباه أكثر مما يصلح لتحليل جيوسياسي رصين.
المثير أن هذه التغطية جاءت في سياق داخلي إسباني يعج بملفات أكثر إلحاحاً: عجز في عديد القوات المسلحة، نقاشات محتدمة حول الميزانية الدفاعية، وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة. لكن بدلاً من مساءلة الذات، اختارت الصحيفة توجيه عدستها جنوباً، في مقاربة توحي بأن “الخطر” يأتي دائماً من الخارج.
هذا الأسلوب ليس جديداً في بعض المنابر الإسبانية، حيث يُستدعى اسم المغرب كلما احتدمت النقاشات السياسية الداخلية، وكأن الرباط تحولت إلى شماعة جاهزة لتعليق كل اختلال أو ارتباك استراتيجي.
من حق المغرب، كأي دولة ذات سيادة، أن يطوّر قدراته الدفاعية بما يتناسب مع تحديات محيطه الإقليمي، خاصة في ظل تحولات أمنية متسارعة في منطقة الساحل والصحراء، وتصاعد التهديدات غير التقليدية. أما تصوير هذا التحديث كسباق تسلح موجه ضد جار أوروبي بعينه، فليس سوى قراءة انتقائية تُغفل معطيات التعاون الأمني والعسكري القائم بين الرباط ومدريد في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
ليست كل صفقة سلاح إعلان حرب، وليست كل طائرة مسيّرة رسالة تهديد. بين الرباط ومدريد بحر يفصل، لكنه أيضاً جسر مصالح متشابكة.
فإذا كانت بعض الأقلام في مدريد ترى في كل دبابة مغربية ظلّاً يتقدّم نحو الشمال، فإن الحقيقة أبسط من ذلك: الدول تحصّن نفسها في عالم مضطرب، ومن لا يقرأ الخريطة جيداً قد يختلط عليه صوت تحديث عسكري مشروع بدويّ طبول حرب لا وجود لها.
وفي زمن تتطاير فيه الصواريخ شرقاً، لعلّ الأولى ببعض الصحافة الإسبانية أن تخفّف من إطلاق القذائف الكلامية غرباً… فالحروب لا تبدأ دائماً بصوت المدافع، بل أحياناً بعنوان مبالغ فيه، لكن نهايتها لا تكون بحجم العناوين، بل بحجم الحقائق.
01/03/2026