في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تعيش الأسواق العالمية للطاقة على وقع قلق متزايد، انعكس بشكل مباشر على أمن التزود داخل القارة الأوروبية. هذا القلق تعمّق أكثر مع قرار الاتحاد الأوروبي القطع التدريجي مع الغاز والنفط الروسيين، ما فتح الباب أمام سباق محموم نحو بدائل جديدة أكثر استقرارًا وأقل مخاطرة.
وسط هذا المشهد المضطرب، يطفو على السطح مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب كأحد أبرز الحلول الاستراتيجية المطروحة. مشروع لا يُنظر إليه فقط كبنية تحتية لنقل الغاز، بل كتحول جيوطاقي قد يعيد رسم خريطة الطاقة بين إفريقيا وأوروبا.
ويرى خبراء أن هذا المشروع يمنح أوروبا فرصة حقيقية لتنويع مصادرها الطاقية، بعيدًا عن بؤر التوتر التقليدية، كما يوفر ضمانة طويلة الأمد لمواجهة الأزمات المستقبلية. فالمسار الذي يمر عبر غرب إفريقيا وصولًا إلى المغرب، يُعتبر من أكثر المسارات أمانًا واستقرارًا مقارنة ببدائل أخرى تعترضها تحديات سياسية وأمنية معقدة.
في هذا السياق، يؤكد الباحث في الاقتصاد الدولي رشيد ساري أن التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط ينذر بمرحلة من الغموض وعدم اليقين، خاصة مع احتمال توسع رقعة الصراع لتشمل أطرافًا إقليمية جديدة. وهو ما يدفع القوى الأوروبية إلى تسريع البحث عن بدائل استراتيجية، بعدما اهتزت ثقتها في الشريك الروسي عقب الحرب الأوكرانية والعقوبات التي تلتها.
ويضيف أن المشاريع الطاقية الكبرى لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحة لضمان الأمن الطاقي، مشددًا على أن أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب يمثل الحل الأنسب في الظرفية الحالية، رغم أن آجال إنجازه المقدرة بين 7 و10 سنوات قد تبدو طويلة، إلا أن الضغط الجيوسياسي قد يدفع نحو تسريع وتيرة التنفيذ.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق التهامي أن اضطراب سوق الطاقة العالمية قد يعرف بعض الانفراج، خاصة مع مؤشرات سياسية إيجابية مثل الحديث عن مفاوضات محتملة مع إيران، وتراجع نسبي في أسعار النفط، إلى جانب استمرار كبار المنتجين، وعلى رأسهم السعودية، في ضخ كميات ضخمة لضمان استقرار السوق.
غير أن التهامي يشدد على أن مشروع الأنبوب المغربي–النيجيري لم يعد مجرد خيار، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية لأوروبا، مرجحًا أن يدفع الطلب الأوروبي المتزايد على مصادر مستقرة للطاقة المؤسسات المالية والمستثمرين إلى تسريع تمويل المشروع، لما له من انعكاسات إيجابية على المديين المتوسط والبعيد.
كما يبرز المشروع، وفق ذات التحليلات، بتوفره على عناصر قوة حاسمة، أبرزها الاستقرار السياسي الذي يتمتع به المغرب، وجاذبية مناخ الاستثمار، إضافة إلى اعتماده على شراكات دولية متعددة، في مقابل مسارات منافسة تواجه صعوبات حقيقية، سواء على مستوى التمويل أو بسبب هشاشة الأوضاع الأمنية في دول العبور.
في عالم يتغير على وقع الأزمات، لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل سلاح جيوسياسي يعيد رسم موازين القوى. وبينما تبحث أوروبا عن مخرج من تبعيتها، يضع مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب الرباط في قلب معادلة دولية جديدة: إما أن تتحول إلى بوابة العبور الآمنة لغاز إفريقيا نحو أوروبا… أو تترك الفرصة تضيع في زحمة الصراعات والمصالح. لكن المؤكد أن المغرب لم يعد مجرد متفرج في لعبة الطاقة، بل أصبح رقمًا صعبًا في معادلة لا ترحم.
25/03/2026