في سياق الدينامية العمرانية التي تعرفها مدينة الناظور والجماعات المجاورة المطلة على بحيرة مارتشيكا، برز إلى الواجهة مشروع تهيئة ضخم تقوده وكالة تهيئة موقع بحيرة مارتشيكا، يتمثل في تصميم التهيئة الجديد، وخصوصا في إحداث ما بات يُعرف بـ“محجّ الناظور”.
هذا الممر الحضري يمتد من حي شعالة مروراً بحي الفطواكي والمحطة الطرقية، وصولاً إلى فندق الريف، في محاولة لإعادة تشكيل النسيج العمراني وفق رؤية حديثة—أو هكذا يُقدَّم المشروع في وثائقه الرسمية، حيث تبدو الخرائط أنيقة… والتفاصيل أقل أناقة.
غير أن هذا “الطموح العمراني” المتميز سرعان ما تحوّل إلى مصدر قلق وتساؤل، ليس بسبب حجمه أو نموذجه المتميز ، بل بسبب شروطه التي تبدو أقرب إلى الإملاءات منها إلى التهيئة. وعلى رأسها شرط منع إنجاز أي مشروع استثماري أو عقاري على أراضٍ تقل مساحتها عن هكتار واحد. شرط غير مسبوق يضع صغار المالكين أمام معادلة قاسية: إمّا أن تصبح “كبيراً” رغماً عنك… أو تفسح المجال لمن هو “أكثر جاهزية”. وكأن التهيئة هنا لا تعيد فقط رسم المجال، بل تعيد بهدوء فرز الفاعلين داخله.
الأكثر إثارة أن المشروع لا يكتفي بالأراضي الخاصة، بل يمدّ نفوذه إلى مرافق عمومية جماعية، من بينها الملعب البلدي للناظور، المملوك للجماعة الترابية، والذي يُقترح إدماجه ضمن “المحجّ”، بما قد يحوّله من رافعة محتملة للاستثمار المحلي إلى مجرد قطعة ضمن لوحة أكبر. نفس السيناريو للمحطة الطرقية على الكورنيش، التي يُراد لها أن تتحول إلى جزء من هذا المسار، في مشهد يوحي بأن كل شيء قابل لإعادة التوظيف… ما دام يدخل ضمن “الرؤية الشمولية”، أو لنقل: ما دام لا يعترض.
أمام هذا الواقع، يبرز السؤال الذي يُطرح همساً ويُتجنب طرحه علناً: أين تقف جماعة الناظور في كل هذا؟ هل تملك فعلاً القدرة على فرض شروطها؟ وهل تستطيع إلزام الوكالة بتقديم ضمانات مادية صريحة تضمن أداء أثمنة العقارات بأسعار حقيقية ، دون تأخير، مع احترام دقيق للآجال الزمنية؟ أم أن دورها سيظل، كما يخشى البعض، محصوراً على بقاء مشروع المجج معلقا لعقود ؟
المخاوف التي يعبّر عنها المستثمرون لا تنفصل عن معطيات مالية مقلقة. فالكلام المتداول في الكواليس يشير إلى أن الوكالة، رغم صورتها كمؤسسة قوية، ليست بمنأى عن إكراهات السيولة، وهو ما يطرح احتمال تأخر الأداءات، أو تجميد العقارات، أو حتى فتح أبواب نزاعات قضائية طويلة. وهنا يتحول المشروع من فرصة استثمارية واعدة إلى مغامرة غير مضمونة العواقب، حيث الانتظار يصبح جزءاً من التكلفة.
لكن ذاكرة الناظور ليست قصيرة. ففي سنة 2011، حاولت الوكالة تمرير تصميم تهيئة غريب ، غير أن جماعة الناظور آنذاك اختارت المواجهة الصريحة، ورفضت المشروع بشكل كامل، قبل أن تقدّم بديلاً فرض نفسه في نهاية المطاف خلال ولاية الرئيس الأسبق طارق يحيى. كانت لحظة سياسية حاسمة، أظهرت أن التفاوض ليس ترفاً، وأن “لا” يمكن أن تكون أداة بناء عندما تُقال في وقتها.
اليوم، يعود نفس السؤال، ولكن بنبرة أكثر حدّة: هل تستطيع الجماعة الحالية إعادة ذلك النفس التفاوضي؟ أم أن موازين القوة تغيّرت؟ وفق آراء عدد من المستثمرين، فإن القيادة الحالية برئاسة سليمان أزواغ لم تُظهر بعد ما يكفي من الحزم أو الجرأة السياسية لفتح مواجهة تفاوضية بهذا الحجم ، أو ربما اختارت نهج “المرونة” في زمن لا يعترف إلا بالوضوح.
بين طموح معلن وواقع مثقل بالشكوك، يقف مشروع “محجّ الناظور” عند مفترق طرق. فإما أن يتحول إلى نموذج لتنمية متوازنة قائمة على الشفافية، والضمانات، واحترام حقوق الملكية، أو أن ينزلق بهدوء مدروس إلى عملية إعادة ترتيب للمجال لا يعرف أحد متى ينتهي ؟ ومن يربح فيها ؟ … ومن يُطلب منه فقط أن يتأقلم ؟
بين شراسة طارق يحيى حين قال “لا” وفرض شروطه، وعدم خبرة سليمان أزواغ التفاوضية ، يتحدد اليوم جزء من مستقبل الناظور. فالمعركة لم تعد فقط حول تصميم تهيئة، بل حول من يملك الجرأة على رسم حدوده: منتخب يفاوض باسم الساكنة، أم مشروع يمرّ باسم “المنفعة العامة”؟
في الناظور، قد لا تُحسم الأمور في الاجتماعات الرسمية فقط… بل في تلك اللحظة الفاصلة التي يقرر فيها المسؤول: هل يوقّع… أم يعيد كتابة الشروط.
25/03/2026