في مشهد يختزل عبث التفاصيل الصغيرة التي تتحول إلى كوابيس يومية، تبرز بحي النجد بمدينة جرسيف، وبالضبط قرب إقامة لعريشة، “بالوعة” قررت أن تتمرد على كل قواعد الهندسة والمنطق، لتنتصب وسط الطريق كحاجز إسمنتي مفاجئ، لا يُرى إلا بعد فوات الأوان… أو بعد سماع صوت اصطدام.
الطريق هنا لم يعد مجرد ممر للمرور، بل صار ما يشبه “حلبة تجارب” مفتوحة، تختبر فيها السيارات صلابة هياكلها، ويختبر فيها السائقون قدرتهم على تفادي المفاجآت غير السارة. أما هذه البالوعة، فقد ارتقت—حرفيًا—إلى مستوى جديد، رافضة الانصياع لمنسوب الطريق، وكأنها تقول: “مرّ من هنا… إن استطعت”.
ولأن العبث لا يكتمل دون ضحايا، فقد تحولت هذه النقطة إلى مصدر دائم للارتطامات المفاجئة، وأضرار ميكانيكية متفاوتة، وإصلاحات تُستخلص تكلفتها مباشرة من جيوب المواطنين. شهادات الساكنة لا تختلف كثيرًا: نفس السيناريو يتكرر، نفس الدهشة، ونفس السؤال الذي لا جواب له: “كيف لشيء بهذا الوضوح أن يبقى دون إصلاح؟”.
المفارقة الساخرة أن هذه “البالوعة المرتفعة” تؤدي وظيفتها بإتقان… لكن ليس في تصريف المياه، بل في تصريف أعصاب السائقين واستنزاف ميزانياتهم. وبين كل حادث وآخر، تواصل أداءها بثبات، وكأنها مشروع قائم بذاته، أو ربما تجربة ميدانية لاختبار جودة ممتصات الصدمات، بتمويل غير معلن من المواطنين.
الأمر لا يتوقف عند السيارات فقط، فبالنسبة لسائقي الدراجات النارية، تتحول هذه النقطة إلى خطر حقيقي قد يقلب رحلة عادية إلى حادث مأساوي في لحظة خاطفة، خصوصًا في غياب أي إشارة تحذيرية، أو حتى بادرة “اعتراف” بوجود هذا الخلل. لا علامة، لا صباغة، لا تنبيه… فقط عنصر مفاجأة جاهز للعمل على مدار الساعة.
ورغم تزايد التذمر وتكرار الحوادث، تبدو هذه البالوعة وكأنها تتمتع بـ“حصانة ميدانية” غير مفهومة، خارج حسابات التدخل العاجل، وربما أيضًا خارج رادار المسؤولية. فهل الأمر مجرد تأخر تقني؟ أم أن إصلاحها يحتاج بدوره إلى “اصطدام إداري” بنفس القوة؟
سكان حي النجد لا يطلبون المستحيل، ولا ينتظرون مشاريع كبرى، فقط طريقًا مستويًا لا يخفي أفخاخًا، ولا يفرض على المارة دروسًا قاسية في رد الفعل. مطلب بسيط… لكنه يبدو، لحد الآن، أصعب من تجاوز بالوعة مرتفعة في ليلة بلا إنارة.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل هذه البالوعة قائمة في مكانها… لا كمجرد خلل، بل كعنوان صارخ: هنا، قد تبدأ الحكاية… أو تنتهي فجأة بصوت ارتطام.
26/03/2026