kawalisrif@hotmail.com

سباق الغاز في غرب المتوسط :     إسبانيا تعود إلى الجزائر… بحثًا عن طوق نجاة طاقي

سباق الغاز في غرب المتوسط : إسبانيا تعود إلى الجزائر… بحثًا عن طوق نجاة طاقي

في مشهد إقليمي يتسم بإعادة ترتيب الأوراق، عادت إسبانيا لتطرق باب الجزائر مجددًا، محاولة تعزيز إمداداتها من الغاز الطبيعي عبر أنبوب ميدغاز، في خطوة تعكس حجم القلق الأوروبي من اضطرابات سوق الطاقة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عمق التحولات الجيوسياسية في المنطقة.

التحرك الإسباني، الذي تقوده حكومة بيدرو سانشيز، لا يمكن فصله عن سياق أوسع: تراجع إمدادات الغاز من بعض الأسواق، وتصاعد التوترات الدولية، ورغبة مدريد في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي. لكن خلف هذه الحسابات التقنية، تختبئ حقيقة أكثر وضوحًا: إسبانيا تحاول استعادة توازن علاقاتها مع الجزائر بعد أن اختارت، قبل سنوات، دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، ما شكل نقطة تحول استراتيجية في المنطقة.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه بعض الدول بإعادة التفاوض على أنابيب تقليدية، يمضي المغرب قدمًا في مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي يُرتقب أن يعيد رسم خريطة الطاقة في إفريقيا وأوروبا على حد سواء، ويمنح المملكة موقعًا محوريًا كجسر طاقي بين الجنوب والشمال.

ورغم أن الجزائر تسعى لاستثمار موقعها كمورد رئيسي للغاز، فإن قدراتها تظل محدودة بسقف البنية التحتية، حيث يقترب أنبوب “ميدغاز” من طاقته القصوى. كما أن اعتمادها الكبير على قطاع المحروقات يجعلها رهينة لتقلبات السوق، في وقت تتجه فيه الاقتصادات العالمية نحو الطاقات النظيفة.

وتبقى شركة سوناطراك الفاعل الرئيسي في هذه المعادلة، لكن قدرتها على تلبية الطلب الأوروبي المتزايد تصطدم بتحديات استثمارية وتقنية، فضلاً عن المنافسة المتصاعدة من دول أخرى.

في المقابل، تعيش أوروبا سباقًا محمومًا لضمان أمنها الطاقي، حيث تسعى دول مثل إيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني إلى تعزيز شراكاتها مع الجزائر، في محاولة للتحول إلى بوابة رئيسية للغاز نحو القارة.

غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن المغرب، ورغم موقعه الجغرافي الحساس، لا يتحرك تحت ضغط الأزمة، بل وفق رؤية استراتيجية متكاملة، جعلته اليوم فاعلًا موثوقًا وشريكًا مستقرًا في محيط إقليمي مضطرب.

في عمق هذا المشهد، لا يتعلق الأمر فقط بأنبوب غاز أو اتفاق ثنائي، بل بصراع هادئ على النفوذ، تُرسم فيه الخرائط الجديدة ليس بالصخب، بل بالقرارات الهادئة والرؤى بعيدة المدى.

وبينما تتسابق العواصم الأوروبية لإعادة تأمين احتياجاتها، يواصل المغرب تثبيت موقعه بثقة، غير مستعجل، مدركًا أن من يملك الرؤية… لا يلهث خلف الأزمات، بل يصنع المستقبل.

ففي زمن التحولات الكبرى، قد تبدو بعض التحركات صاخبة ومؤثرة، لكن الحقيقة الأعمق تظل كامنة هناك… حيث تُبنى الاستراتيجيات بصمت، وتُحسم المعارك قبل أن تبدأ.

26/03/2026

مقالات خاصة

Related Posts