بعد أشهر من التعطيل، بدأت الجزائر أخيرًا في تنفيذ عمليات ترحيل مواطنيها من فرنسا، في خطوة تعكس تأثير الضغوط السياسية والدبلوماسية الباريسية على ملف ظل حساسًا لسنوات. ما كان يبدو مجرد إجراءات إدارية أصبح اليوم مؤشراً على تحول دبلوماسي استراتيجي.
تقارير إعلامية أفادت بترحيل جزائريين من مراكز الاحتجاز، بينهم من وصل حديثًا إلى فرنسا وآخر أمضى فيها أكثر من أربعين عامًا، مرتبط بعائلته والمجتمع الفرنسي. كما سُلمت رخص مرور قنصلية في تولوز، تمهيدًا لترحيلات جديدة، ما يوضح أن التعاون القنصلي الذي كان شبه متوقف بدأ يعود تدريجيًا إلى الحياة.
في السابق، كانت الجزائر تستخدم مفتاح هذا الملف كورقة ضغط سياسية، رافضة إصدار تصاريح المرور، ما جعل قرارات الترحيل الفرنسية بلا جدوى. وكان هذا الموقف مرتبطًا بتوترات أوسع مع باريس، خصوصًا حول قضية الصحراء المغربية.
لكن باريس لم تكتفِ بالصمت، بل انتقلت إلى استراتيجية صارمة، مستفيدة من اتفاقية 1968 التي تمنح الجزائريين امتيازات في الإقامة والعمل. مجرد الحديث عن إعادة النظر في هذه الاتفاقية أحدث صدمة في الجزائر، نظرًا لتأثيرها المباشر على آلاف الأسر.
تصعيد دبلوماسي فرنسي جعل الجزائر أمام خيارين: الاستمرار في التعطيل والمخاطرة بخسارة امتيازات استراتيجية، أو القبول بتنازلات محدودة لإعادة تشغيل قنوات التعاون. يبدو أن الجزائر اختارت الخيار الثاني، دون إعلان رسمي، للحفاظ على توازن خطابها السياسي الداخلي.
ورغم الانفراج الجزئي، استمرت مظاهر التوتر؛ فقد استدعت الجزائر القائم بأعمال السفارة الفرنسية احتجاجًا على تمديد حبس موظف قنصلي، ما يوضح أن الثقة بين الطرفين لم تُستعد بالكامل. ومع ذلك، لم توقف هذه الخلافات سير عمليات الترحيل، ما يعكس أن القرار هذه المرة يتجاوز ردود الفعل المؤقتة.
تحولت فرنسا من طرف متأثر بملف الهجرة إلى من يفرض قواعد اللعبة، بينما بدأت الجزائر مرحلة جديدة من التنازل المحسوب تحت ضغط متصاعد. وما بدأ استئنافًا للترحيل يتحول إلى إعادة رسم لميزان القوة بين باريس والجزائر، حيث فرضت فرنسا إيقاعها وفتحت صفحة جديدة في ملف ظل لسنوات رهينة الصراع السياسي.
31/03/2026