يشكّل سوق رأس الشراطين أحد أبرز الفضاءات التجارية في المدينة العتيقة بفاس، بتصميمه الفريد الذي يتفرع كغصن رباعي، يصل بين أسواق رئيسية ويؤدي أدوارًا محورية في الحركة التجارية. فمن امتداده الشمالي الغربي ينفتح على سوق القطانين، حيث تتجاور المؤسسات البنكية مع الحرف التقليدية الخفيفة ومتاجر المواد الأولية والبنايات التاريخية، فيما يقود الامتداد الشمالي الشرقي إلى سوق الشماعين، المعروف بتنوع معروضاته من الفواكه الجافة والشموع والأثواب، وعلى مقربة من باب الشماعين، أحد أبرز مداخل جامع القرويين. كما يربط هذا الامتداد بممرات تؤدي إلى الحرم الإدريسي ومجمع “القيصرية”، عبر سوق صغير حمل أسماء متعددة تعكس تحولات أنشطته الحرفية عبر الزمن.
أما الامتدادان الجنوبيان، فيقودان إلى أسواق حرفية كانت لها مكانة بارزة في الحياة اليومية للساكنة، من بينها سوق القزادريين الذي تخصص تاريخيًا في الأواني القصديرية ومستلزمات الطهي التقليدي، قبل أن يتحول إلى مركز لبيع الحلويات المغربية على مدار السنة. ويجاوره سوق القبابين، الذي اشتهر بصناعة أدوات خشبية دقيقة، تعود أصولها إلى التراث الأندلسي. وقد مثّل السوق، عبر تاريخه، حلقة وصل أساسية بين شمال المدينة وجنوبها، كما احتضن مرافق متعددة كالفنادق التجارية، والسقايات، والمساجد، ومساكن الطلبة، إلى جانب شخصيات فنية بارزة مثل المسرحي محمد صوصي علوي هاشم.
وعلى خلاف العديد من أسواق فاس، تميز رأس الشراطين بقدرته المبكرة على التكيف مع التحولات الحديثة، حيث احتضن أولى مظاهر تجارة الملابس الجاهزة وأدوات التجميل، إلى جانب أول صالون حلاقة نسائي، في سابقة لافتة آنذاك. كما عرف السوق تجربة فريدة مع “فندق اللحم”، الذي مثّل فضاءً لتنظيم تجارة اللحوم، إضافة إلى احتضانه أحد أقدم مكاتب البريد الوطني قبل تنظيمه الرسمي في مطلع القرن العشرين. ورغم التحولات المتلاحقة في أنشطته، ظل السوق محافظًا على هويته كفضاء متنوع ومتجدد، يجمع بين عبق التاريخ ودينامية التجارة الحديثة.
02/04/2026