لم يعد ما يجري بأزغنغان مجرد نزاع عقاري عابر، بل تحوّل إلى ملف ثقيل تتقاطع فيه شبهات النصب والتلاعب بالوثائق، وسط اتهامات مباشرة لزعيم شبكة متخصصة في التجزيء السري وفساد التعمير بأزغنغان، يقودها عدل معروف يسمى “م-م”.
في هذا السياق، شهدت المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية تحركاً لافتاً، بعد حلول لجنة تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية، للنبش في ملفات على ارتباط بالتجزئ السري واختلالات التعمير والإعفاءات الجبائية داخل الجماعة، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من اتساع رقعة هذه الممارسات، بعد سلسلة من التقارير التي نشرتها جريدة “كواليس الريف” .
وكشفت مصادر الجريدة من داخل الجماعة الترابية ، عن معطيات جديدة وُصفت بـ”الخطيرة جداً”، تتعلق هذه المرة بتعرض عدد من المتعاقدين لعملية نصب، يُتهم فيها زعيم الشبكة العدل م-م بالاستيلاء على مبلغ يصل إلى 74 مليون سنتيم، من حساب زبون .
وبناءً على هذه المعطيات، أعطى الوكيل العام للملك بالناظور قبل مدة تعليماته بفتح تحقيق عاجل في القضية، غير أن مسار هذا البحث – وبشكل يثير أكثر من علامة استفهام – تعرض للتعطيل لأسباب لا تزال مجهولة، رغم الطابع الصارم لتلك التعليمات.
الملف، وفق ذات المصادر، ورغم تعليمات السيد الوكيل العام الصارمة ، ما يزال حبيس رفوف محكمة الاستئناف بالناظور، في وضع يطرح تساؤلات مقلقة حول الجهات التي قد تكون وراء هذا الجمود غير المبرر.
في عمق هذا الملف، تبرز قصة الضحية التي تختزل جوهر الإشكال. فقد كان الاتفاق واضحاً: اقتناء منزل مقابل مبلغ محدد وضمن أجل متفق عليه. غير أن هذا الاتفاق، وبقدرة “توثيقية” مثيرة، تحوّل لاحقاً إلى رواية مغايرة تماماً، حيث جرى تسجيل المبلغ ذاته على أنه “أمانة” وليس ثمناً للبيع.
تحوّل يصفه الضحية بأنه ليس مجرد خطأ في التكييف، بل إعادة صياغة متعمدة للوقائع، تجعل من نفس المبلغ قابلاً لأن يتلوّن قانونياً حسب الحاجة، دون أي تفسير مقنع أو سند تعاقدي واضح.
فهل يُعقل أن يتحول مبلغ 74 مليون سنتيم، بين عشية وضحاها، من ثمن عقار إلى وديعة؟ أم أن الأمر يتعلق بما يمكن تسميته بـ”الهندسة التوثيقية” التي تُعيد تشكيل الحقيقة بدل تثبيتها؟
وتعود جذور القضية إلى سنة 2007، حين كُلّف الضحية – في إطار علاقة قرابة ومصاهرة – باقتناء بقعة أرضية لفائدة أطراف تقيم بالخارج، وتشييد منزل فوقها. وقد انطلق المشروع بشكل طبيعي، وتمت أشغال البناء وفق ما تم الاتفاق عليه، في أجواء لم تكن تنذر بأي نزاع.
لكن، ومع عودة المعنيين إلى المغرب، انقلبت المعادلة. إذ تم التراجع عن الاتفاق الأصلي، قبل اللجوء إلى توثيق جديد لدى عدلين، تضمن معطيات مغايرة تماماً، أبرزها اعتبار المبلغ المدفوع “أمانة” لا علاقة لها بعملية شراء.
الضحية لا يقف عند هذا الحد، بل يطعن في عدد من العقود والإشهادات التي يعتبر أنها أُقحمت خارج سياقها الزمني، لإضفاء شرعية شكلية على وضع مختل في الأصل.
ويذهب أبعد من ذلك، حين يشير إلى ما وصفه بـ”مرونة مريبة” في تصريحات بعض الأطراف، التي انتقلت من الإقرار بوجود خلاف حول البناء إلى نفيه، في تناقض يثير الشكوك حول مصداقية الروايات المقدمة.
ومن بين المعطيات التي يعزز بها الضحية موقفه، تمكينه من السكن بجزء من العقار، وهو عنصر لا يمكن اعتباره عرضياً، بل قرينة مادية على وجود اتفاق تم تنفيذ جزء منه فعلياً، قبل أن يتم الالتفاف عليه بوثائق لاحقة.
ورغم اعتراف الضحية بغياب توثيق دقيق لبعض المعاملات المالية، فإنه يعتبر ذلك نتيجة طبيعية للثقة التي حكمت العلاقة في البداية، لا مبرراً لإعادة توصيف الالتزامات بشكل يخدم طرفاً دون آخر.
اليوم، يبقى الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات، خاصة مع إصرار الضحية على وجود شبهة تزوير واستعماله، ومطالبته بإعادة فحص كافة الوثائق والمعطيات، في انتظار تدخل قضائي حاسم يعيد ترتيب الوقائع وفق منطق القانون، لا منطق “المرونة” المشبوهة.
ما يجري بأزغنغان لم يعد مجرد نزاع حول عقار أو مبلغ مالي، بل صار اختباراً حقيقياً لمصداقية التوثيق وحدود الثقة في “صنّاع الحقيقة على الورق”. فإما أن تبقى الوثيقة الرسمية مرآة تعكس الواقع كما هو، أو تتحول – بلمسة “خبيرة” – إلى نص قابل لإعادة التأويل حسب الطلب.
وفي قلب هذه المعادلة، يطفو اسم العدل المشتكى به، الذي يبدو – وفق ما يروج في الملف – أنه لم يكتفِ بدور الموثّق، بل ارتقى إلى ما يشبه “مخرج الوقائع”، حيث تُعاد كتابة الأحداث بلغة قانونية أنيقة، تُحوّل البيع إلى أمانة، والالتزام إلى مجرد احتمال.
وبين هذا وذاك، تبقى ملايين السنتيمات معلّقة، والحقيقة مؤجلة، والعدالة أمام امتحان لا يقبل التجميل.
فإما أن تقول كلمتها بوضوح، أو نُسلّم – على مضض – بأن بعض الملفات لا تحتاج إلى قاضٍ بقدر ما تحتاج إلى “محرّر بارع”… يجيد إعادة صياغة الواقع قبل توثيقه.
