افتتح مجلس النواب، اليوم الجمعة ، أشغال الدورة الربيعية الأخيرة من الولاية التشريعية الحالية، في ظرف سياسي دقيق يتزامن مع العدّ التنازلي لموعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل، وهي محطة مفصلية تضع الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية أمام اختبار حقيقي يتعلق بحصيلة العمل التشريعي والتنفيذي خلال السنوات الماضية، في ظل تصاعد مطالب الرأي العام بتقديم تقييم واضح للأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتأتي هذه الدورة في سياق يطغى عليه منطق التقييم السياسي والمحاسبة المؤسساتية، حيث تدخل الحكومة مرحلة حساسة يصفها متابعون بالشوط الأخير من عمر الولاية، وهي مرحلة تتطلب تقديم معطيات دقيقة حول مدى تنفيذ الالتزامات التي تضمنها البرنامج الحكومي، خاصة في ما يتعلق بخلق فرص الشغل وتحسين المؤشرات الاجتماعية وتعزيز الحماية الاجتماعية، وهي ملفات ما تزال تثير الكثير من النقاش، خصوصاً مع استمرار نسب البطالة في مستويات مقلقة، ولاسيما في صفوف الشباب، إلى جانب التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتأثيرات الظرفية الاقتصادية الدولية على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي هذا الإطار، يُنتظر أن تعرف الدورة الربيعية إيقاعاً تشريعياً ورقابياً مكثفاً، نظراً لقصر الزمن المتبقي من عمر الولاية التشريعية، حيث سيكون البرلمان مطالباً بتسريع وتيرة المصادقة على القوانين العالقة، بالتوازي مع تعزيز دوره الرقابي على العمل الحكومي، بما يضمن التوازن بين التشريع والمساءلة وفقاً لما يقره الدستور من اختصاصات للمؤسسة التشريعية.
المعطيات المتداولة داخل الأوساط البرلمانية تشير إلى أن أجواء هذه الدورة ستكون مشحونة بنقاشات سياسية قوية بين فرق الأغلبية والمعارضة، في ظل توجه واضح نحو اعتماد لغة الأرقام والمؤشرات في تقييم السياسات العمومية، خاصة في القطاعات ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي، وعلى رأسها التشغيل والحماية الاجتماعية وغلاء المعيشة، وهي ملفات مرشحة لأن تكون محور النقاش داخل البرلمان خلال الأسابيع المقبلة.
وتراهن المعارضة البرلمانية على تحويل هذه الدورة إلى محطة للمساءلة المكثفة، من خلال التركيز على حصيلة الحكومة ومقارنتها بالوعود التي قدمتها في بداية الولاية، مع إبراز مكامن التعثر والتأخر في تنزيل عدد من الإصلاحات التي اعتُبرت أساسية، وهو ما يعكس توجهاً نحو رفع منسوب الضغط السياسي داخل المؤسسة التشريعية قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
عدد من نواب المعارضة أكدوا، في تصريحات صحفية على هامش افتتاح الدورة، أن المرحلة الحالية تفرض تقييماً شاملاً للأداء الحكومي، انسجاماً مع روح الدستور الذي يقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مشددين على ضرورة تقديم قراءة دقيقة وموضوعية لمختلف المؤشرات، تشمل الإنجازات المحققة والإخفاقات المسجلة على حد سواء.
كما أوضحوا عزمهم تكثيف المبادرات الرقابية خلال هذه الدورة، عبر توجيه الأسئلة الشفوية والكتابية، والمطالبة بعقد لجان استطلاعية، إلى جانب إثارة موضوع القوانين التي تم سحبها من البرلمان دون إعادة طرحها رغم الوعود السابقة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى التزام الحكومة بأجندتها التشريعية.
ومن المنتظر أن تحظى ملفات الإصلاحات الهيكلية الكبرى بنقاش واسع، خاصة إصلاح أنظمة التقاعد ومدونة الشغل، وهما ورشان ظلّا مؤجلين لسنوات طويلة، غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب أعادت طرحهما بقوة، ما يجعل التعاطي معهما اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات إصلاحية متوازنة تراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.
في المقابل، يُرتقب أن تدافع مكونات الأغلبية الحكومية عن حصيلتها خلال هذه الدورة، من خلال إبراز البرامج والإصلاحات التي تم تنفيذها منذ بداية الولاية، مع التأكيد على أن الظرفية الدولية الصعبة، بما فيها تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية، أثرت بشكل مباشر على عدد من المؤشرات، وهو ما يستوجب قراءة موضوعية للنتائج المحققة.
كل هذه المعطيات تنذر بدورة برلمانية ساخنة ستطبعها مواجهات سياسية قوية تحت قبة البرلمان، في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، التي يسعى من خلالها كل طرف إلى تعزيز موقعه السياسي وإقناع الرأي العام بقدرته على قيادة المرحلة المقبلة.
وبذلك تبدو الدورة الربيعية الحالية لحظة سياسية فاصلة، لا تقتصر فقط على استكمال المسار التشريعي، بل تمتد لتشكل محطة تقييم شاملة للأداء الحكومي وتحديد ملامح المرحلة السياسية القادمة، في ظل سباق انتخابي مبكر بين مختلف الأحزاب من أجل كسب ثقة الناخبين وترتيب موازين القوى قبل موعد شتنبر المقبل.
10/04/2026