في حكمٍ أثار موجة واسعة من النقاش والصدمة، حسمت المحكمة الوطنية الإسبانية الجدل الدائر حول واحدة من أكثر القضايا دموية في مدينة الجزيرة الخضراء، مؤكدة تبرئة المتهم ياسين كانجعا من تهم الإرهاب والقتل، رغم اعترافه بقتل خادم الكنيسة دييغو فالنسيا.
غرفة الاستئناف داخل المحكمة الوطنية الإسبانية رفضت جميع الطعون التي تقدمت بها النيابة العامة وعائلة الضحية وعدد من الهيئات، مؤكدة الحكم الابتدائي الصادر في نونبر الماضي، والذي اعتبر أن المتهم كان في حالة اضطراب نفسي حاد يُسقط عنه المسؤولية الجنائية بشكل كامل.
وشدد القضاة على أن هامش التدخل في أحكام البراءة يظل محدودًا، ولا يمكن تغييره إلا في حال وجود أخطاء واضحة في تقييم الأدلة، وهو ما لم يتوفر في هذه القضية.
الملف الذي هزّ الرأي العام الإسباني منذ 25 يناير 2023، يعود إلى لحظة اقتحام المتهم لكنيستين في المدينة وهو يحمل ساطورًا، حيث نفذ هجومًا دمويًا خلّف قتيلًا وعددًا من الجرحى.
ورغم أن النيابة العامة طالبت بسجنه 50 سنة بتهم الإرهاب الجهادي، خلصت التقارير الطبية إلى أن المتهم كان يعاني من نوبة ذهانية حادة مرتبطة بمرض الفصام، أفقدته القدرة على الإدراك والتحكم، وجعلته يتصرف تحت تأثير أوهام اعتقد فيها أنه “مختار” لمواجهة “أشخاص ممسوسين”.
الحكم لم يخلُ من اختلاف داخل هيئة المحكمة، حيث اعتبرت إحدى القاضيات أن الأفعال تحمل طابعًا إرهابيًا حتى مع وجود المرض النفسي، وهو توصيف كان من شأنه تمكين عائلة الضحية من الاستفادة من تعويضات خاصة بضحايا الإرهاب.
ورغم التبرئة الجنائية، لم يُترك المتهم طليقًا، إذ قضت المحكمة بإيداعه في مؤسسة للأمراض النفسية داخل السجن لمدة تصل إلى 30 سنة، مع إخضاعه لعلاج إجباري، نظرًا لخطورة حالته وغياب أي شعور بالندم.
كما ألزمه الحكم بأداء تعويضات مالية مهمة لفائدة عائلة الضحية والمصابين.
استند الحكم إلى مقتضيات القانون الجنائي الإسباني، الذي يعفي أي شخص من المسؤولية إذا ثبت أنه لم يكن قادرًا على فهم أفعاله أو التحكم فيها بسبب اضطراب عقلي أثناء ارتكاب الجريمة.
وبين نصوص القانون وصرخات الضحايا، يظلّ السؤال معلقًا في سماء العدالة بلا جواب حاسم: هل انتصر القانون حين أنصف عقلًا غائبًا، أم انهزم حين عجز عن تضميد جراح إنسانية تنزف في صمت؟ في الجزيرة الخضراء، لا تزال الذاكرة مثقلة بذلك اليوم الدامي، حيث لم تُطوَ الصفحة ولم يخفت الصدى، بل بقيت الحكاية عالقة بين حكمٍ قضائي بارد ووجعٍ حيّ يرفض الانطفاء، وكأن الحقيقة القاسية تهمس في الأفق: ليست كل الأحكام نهاية… فبعضها بداية لجرحٍ لا يلتئم.
10/04/2026