تتجه الأجواء السياسية في المجر نحو مزيد من التوتر والاحتقان مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، التي يُرتقب أن تشكل محطة مفصلية في مستقبل البلاد بعد 16 سنة من حكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان، وسط انقسام داخلي حاد وتصاعد غير مسبوق في حدة الخطاب السياسي.
وفي قلب هذا المشهد، تتسع دائرة الاتهامات المتبادلة بين السلطة والمعارضة، حيث تحدثت أطراف سياسية عن شبهات تتعلق بـ“تدخلات محتملة لأجهزة استخبارات أجنبية” ومحاولات للتأثير على مسار العملية الانتخابية، في سياق إقليمي ودولي متوتر يضاعف من حساسية هذا الاستحقاق.
من جهته، صعّد زعيم المعارضة بيتر ماجيار من لهجته، رافضاً هذه الاتهامات، ومعتبراً أن ما يُروج حول “سلسلة التزوير الانتخابي” لن يغيّر موازين القوة السياسية داخل البلاد، مؤكداً أن حزب “تيسا” في طريقه إلى تحقيق فوز انتخابي. كما ذهب إلى حد القول إن أوربان “سيُهزم على يد الشعب نفسه”، في تعبير يعكس حدة الاستقطاب السياسي داخل المجر.
في المقابل، دعت بروكسل إلى توضيحات عاجلة بشأن هذه التطورات، معتبرة أن أي شبهات تتعلق بنزاهة العملية الانتخابية أو بوجود تدخلات خارجية محتملة تمس بشكل مباشر أمن الاتحاد الأوروبي ومصالحه الاستراتيجية.
في موازاة ذلك، تتصاعد حدة الانتقادات الأوروبية الموجهة إلى بودابست، خصوصاً بعد تقارير إعلامية وسياسية تحدثت عن تسريب معلومات حساسة إلى روسيا، وهو ما فجّر موجة غضب داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن هذه المعطيات تمثل “خيانة للتضامن المطلوب بين دول الاتحاد الأوروبي”، في لهجة تعكس حجم التوتر المتزايد بين باريس وبودابست.
من جهتها، وصفت المفوضية الأوروبية هذه التقارير بأنها “مقلقة جداً”، محذرة من “احتمال أن حكومة دولة عضو نسّقت خطواتها مع روسيا ضد أمن الاتحاد الأوروبي ومصالحه”، في إشارة غير مباشرة إلى المجر.
وتأتي هذه الاتهامات في ظل علاقة وُصفت بالمتوترة والمركبة تربط حكومة فيكتور أوربان بموسكو، ما يجعل المجر في دائرة انتقادات أوروبية متكررة، خاصة فيما يتعلق بموقفها من الحرب في أوكرانيا واعتمادها المتزايد على الطاقة الروسية.
ولا تقتصر الخلافات بين بودابست وبروكسل على البعد الجيوسياسي فقط، بل تمتد أيضاً إلى ملفات حقوق الإنسان، حيث تخوض المجر نزاعات متكررة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشأن حرية الإعلام واستقلال القضاء وحقوق المرأة وقضايا التنوع الاجتماعي، وهي ملفات باتت تشكل أحد أبرز عناوين التوتر داخل البيت الأوروبي.
في هذا السياق المشحون، يواجه أوربان، الذي يحكم منذ سنة 2010 عبر حزبه “فيدس”، اختباراً انتخابياً غير مسبوق أمام حزب “تيسا” المحافظ بزعامة بيتر ماجيار، في ظل استقطاب سياسي حاد وتبادل اتهامات متصاعد.
وخلال حملته الانتخابية، قال أوربان إن “خصومنا لن يتورعوا عن فعل أي شيء للاستيلاء على السلطة”، متهماً المعارضة بالتواطؤ مع أجهزة استخبارات أجنبية، في خطاب يعكس تصعيداً واضحاً في لهجة المواجهة السياسية.
في المقابل، رد ماجيار باتهامات مضادة، مؤكداً أن “سلسلة التزوير الانتخابي لن تغيّر حقيقة أن تيزا سيفوز في الانتخابات”، مضيفاً أن “فيكتور أوربان سيُطاح به على يد الشعب نفسه”.
وبين تصاعد الاتهامات الداخلية واحتدام الخلافات مع الاتحاد الأوروبي، تبدو الانتخابات المقبلة في المجر أكثر من مجرد استحقاق سياسي عادي، بل اختباراً حقيقياً لاتجاه البلاد بين استمرار النهج القومي الحالي أو الانفتاح على مسار أوروبي أكثر تقارباً مع بروكسل، في لحظة سياسية حاسمة قد تعيد رسم ملامح مستقبل البلاد داخل الاتحاد الأوروبي.
11/04/2026