تشهد سوق العقار في إسبانيا تحولات لافتة في خريطة المشترين الأجانب، حيث أظهرت بيانات حديثة صادرة عن الموثقين أن المغاربة أصبحوا على مقربة من تصدر قائمة الجنسيات الأكثر شراءً للعقارات، متجاوزين الإيطاليين ومنافسين بقوة البريطانيين الذين ما زالوا في الصدارة بفارق طفيف.
وبحسب الأرقام المسجلة خلال النصف الثاني من سنة 2025، فقد بلغ عدد العمليات العقارية التي أنجزها الأجانب في إسبانيا حوالي 66.629 صفقة، مسجلاً تراجعاً طفيفاً بنسبة 4.4% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، رغم استمرار الطلب القوي على السوق الإسبانية.
وتكشف الإحصائيات أن البريطانيين تصدروا القائمة بـ5.178 عملية شراء (7.8%)، متبوعين مباشرة بالمغاربة بـ5.154 صفقة (7.7%)، بفارق لا يتجاوز 24 عملية فقط، ما يعكس تقارباً غير مسبوق بين الجانبين.
وجاء الإيطاليون في المرتبة الثالثة بـ4.397 صفقة، ثم الألمان بـ4.351، والرومانيون بـ4.339 عملية، في مؤشر على تنوع واضح في الطلب الأجنبي على العقار الإسباني.
وأبرزت البيانات ذاتها أن المغاربة يتصدرون أيضاً قائمة الأجانب المقيمين الأكثر نشاطاً في السوق العقارية الإسبانية، بنسبة 12.1% من إجمالي العمليات، مع حضور قوي في عدة أقاليم أبرزها مورسيا (35.1%)، نافارا (32.1%)، أراغون (21.9%)، ولا ريوخا (25.8%).
وعلى صعيد السلوك الاجتماعي والاقتصادي للجالية، تشير معطيات ميدانية إلى أن جزءاً من المغاربة المقيمين في إسبانيا باتوا يتجهون إلى بيع منازلهم وأملاكهم في المغرب من أجل اقتناء سكن خاص في إسبانيا، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الكراء وصعوبة تحمّل تكاليف الإيجار في بعض المدن الإسبانية، ما يعكس تحولاً تدريجياً من نمط الإقامة المؤقتة إلى الاستقرار الدائم.
وعلى مستوى الأسعار، كشفت المعطيات أن متوسط سعر المتر المربع الذي يدفعه الأجانب بلغ 2.479 يورو، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 5%.
لكن الفوارق بين الجنسيات تبقى كبيرة، إذ يدفع السويديون أعلى الأسعار بمتوسط 3.654 يورو للمتر المربع، يليهم الألمان والأمريكيون والنرويجيون.
في المقابل، سجل المغاربة أدنى متوسط سعر في السوق بحوالي 768 يورو للمتر المربع فقط، وهو ما يعكس توجههم نحو العقارات ذات الأسعار المنخفضة أو في المناطق الأقل تكلفة.
وتُظهر البيانات أيضاً أن الطلب الأجنبي يتركز بشكل كبير في مناطق مثل فالنسيا (40% من عمليات غير المقيمين)، تليها الأندلس، كتالونيا، ومرسية، فيما تختلف خريطة الإقبال حسب الجنسيات وظروف الإقامة.
كما سجلت عدة جهات إسبانية تراجعاً في عدد الصفقات الأجنبية، أبرزها مدريد وتينيريفي وبلياريس، مقابل ارتفاع ملحوظ في مناطق داخلية مثل قشتالة-لا مانشا وأراغون.
وتعكس هذه الأرقام استمرار جاذبية السوق العقارية الإسبانية بالنسبة للأجانب، مع بروز واضح للمغاربة كأحد أهم الفاعلين في هذا السوق، سواء من حيث عدد العمليات أو وتيرة النمو، ما يعزز حضورهم الاقتصادي داخل إسبانيا بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة.
في النهاية، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات جامدة في تقارير موثّقة، بل هي انعكاس لتحولات عميقة تعيد رسم خرائط الهجرة والاستثمار داخل أوروبا. وبينما يواصل البريطانيون التمسك بالصدارة بفارقٍ لا يكاد يُرى، يزحف المغاربة بثبات لافت نحو القمة، في مشهد يختصر قصة صعود اقتصادي واجتماعي متدرّج يتجاوز الحدود.
إنه حضور لم يعد يُقاس فقط بعدد الصفقات، بل بوزنٍ متزايد داخل سوقٍ تنافسية لا ترحم، حيث يصبح المتر المربع مرآةً لهجرة المال والأمل والطموح. وبين الصدارة والفارق الضئيل، يظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة يتقدم فيها المغاربة من خانة المنافس إلى خانة المتصدر؟ أم أن المعادلة ما زالت تُكتب فصولها الأولى فقط؟
11/04/2026