kawalisrif@hotmail.com

ترامب يضع إسبانيا في مرمى التصعيد … هل تُغلق قاعدة روتا وتُعاد هندسة النفوذ العسكري الأمريكي في أوروبا

ترامب يضع إسبانيا في مرمى التصعيد … هل تُغلق قاعدة روتا وتُعاد هندسة النفوذ العسكري الأمريكي في أوروبا

في مشهد يعكس احتدام الصراع داخل أروقة حلف شمال الأطلسي، يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واجهة التوترات الدولية بخيارات وُصفت داخل دوائر القرار بأنها “غير مسبوقة”، بعدما بدأ يدرس بجدية تقليص أو إعادة تموضع الوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا، في خطوة تحمل في طياتها رسائل سياسية تتجاوز مدريد إلى قلب أوروبا.

وبحسب معطيات أوردتها وسائل إعلام إسبانية، فإن واشنطن تضع على الطاولة سيناريوهات صادمة، من بينها إغلاق إحدى أهم قاعدتيها العسكريتين في البلاد، وعلى رأسها قاعدة روتا البحرية، أو إعادة توزيع القوات نحو دول أخرى، أبرزها اليونان وبولندا، في تحرك يعكس تحولاً في أولويات الانتشار الأمريكي داخل القارة العجوز.

التوتر بين واشنطن ومدريد لم ينفجر فجأة، بل تراكم منذ أشهر، وتحديداً مع تصاعد الحرب مع إيران، حيث عبّر ترامب أكثر من مرة عن غضبه من ما يعتبره “تراخياً أوروبياً” في تحمل أعباء المواجهة، وغياب الانسجام داخل الحلف الأطلسي.

وفي قلب هذا الجدل، تبرز إسبانيا كحالة خاصة؛ دولة رفضت رفع إنفاقها الدفاعي إلى سقف 5% من الناتج الداخلي الخام، وذهبت أبعد من ذلك عبر مواقف سياسية انتقدت بشكل مباشر السياسات الأمريكية، ورفضت استخدام قواعدها ومجالها الجوي في عمليات مرتبطة بالحرب، ما جعلها في نظر واشنطن “نقطة خلاف مفتوحة” داخل الحلف.

وفي كواليس القرار الأمريكي، تبرز مقترحات أكثر حدة، من بينها ما نُسب إلى السيناتور ليندسي غراهام، الداعي إلى التعامل الصارم مع الدول التي تُصنّف داخل الحلف كـ“غير منضبطة”، في رسالة سياسية هدفها فرض الانضباط عبر الضغط لا الحوار.

وسرعان ما تحولت إسبانيا إلى الهدف الأكثر حساسية في هذا النقاش، حيث طُرحت سيناريوهات تشمل تقليصاً كبيراً أو حتى إعادة انتشار شامل للقوات الأمريكية، في خطوة يُراد منها إرسال إشارة ردع داخل الحلف الأطلسي، وإعادة رسم قواعد الطاعة السياسية والعسكرية.

ورغم أن عدد الجنود الأمريكيين في إسبانيا لا يتجاوز 3800 عسكري، فإن القيمة الاستراتيجية للوجود الأمريكي هناك تتجاوز الأرقام بكثير، بالنظر إلى تموضع قاعدتي روتا ومورون في نقطة تماس حساسة بين الأطلسي والمتوسط، وبين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.

وتُعد قاعدة روتا تحديداً ركيزة أساسية في منظومة الدفاع الصاروخي للحلف، حيث تحتضن مدمرات مزودة بنظام “إيجيس”، ما يجعلها إحدى أهم نقاط التحكم في التوازن البحري والعسكري بالمنطقة.

وفي حال تحركت واشنطن نحو إعادة التموضع، فإن أحد البدائل المطروحة يتمثل في قاعدة سودا باي باليونان، غير أن هذا الخيار، رغم جاذبيته السياسية، يصطدم بواقع لوجيستي معقد، يتطلب استثمارات ضخمة وبنية عسكرية جديدة قادرة على استيعاب حجم العمليات البحرية والعائلات العسكرية.

كما أن أي تغيير في هذا الحجم لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، بل سيخضع لاتفاقية التعاون الدفاعي بين واشنطن ومدريد، التي تُجدد بشكل دوري، ما يفتح الباب أمام مفاوضات طويلة قد تمتد لعام كامل، قبل أي قرار نهائي، يعقبه عام إضافي من الانسحاب التدريجي إن وقع الخيار على المغادرة.

الأخطر في هذا السيناريو ليس فقط ما يهدد العلاقات الثنائية بين مدريد وواشنطن، بل ما قد يخلقه من اهتزاز داخل البنية العسكرية الأمريكية في أوروبا، حيث بدأت أسماء مثل بولندا ورومانيا وليتوانيا تُطرح كبدائل محتملة في خريطة انتشار جديدة تتشكل بصمت.

في المقابل، يحاول الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته تهدئة العاصفة، محذراً من تعميم الأحكام على الدول الأوروبية، ومؤكداً أن أغلب أعضاء الحلف ما زالوا ملتزمين بدعم استراتيجي فعّال، رغم التباينات السياسية.

لكن خلف لغة التهدئة، تتسارع مؤشرات التصعيد، ويزداد السؤال إلحاحاً في العواصم الأوروبية: هل نحن أمام إعادة تشكيل صامتة لخريطة النفوذ العسكري الأمريكي في القارة؟

ولا تبدو إسبانيا مجرد ملف عابر في خلاف دبلوماسي، بل تتحول تدريجياً إلى ساحة اختبار حقيقية لموازين القوة داخل الحلف الأطلسي… اختبار قد لا تكون نتائجه مجرد قرار سياسي، بل بداية مرحلة جديدة تُكتب فيها خرائط النفوذ من جديد، بمداد التوتر لا الحبر.

12/04/2026

مقالات خاصة

Related Posts

12 أبريل 2026