يبدو أن حزب فوكس وجد أخيرًا الشعار الذي يثير الضجيج المطلوب: “الأولوية الوطنية”، نسخة إسبانية معدّلة من وصفة دونالد ترامب الشهيرة “أمريكا أولًا”، مع بعض التوابل المحلية التي تُقدَّم للجمهور على أنها حل سحري لكل مشاكل الهجرة. الفكرة بسيطة في ظاهرها: الإسباني قبل الأجنبي في كل شيء، من الصحة إلى السكن. غير أن هذا الخطاب، الذي يرفعه الحزب بكل ثقة، يصطدم سريعًا بحائط الواقع القانوني، حيث لا تسير الأمور بنفس الحماس الذي تُلقى به الخطب.
في التفاصيل التي لا تُقال كثيرًا، يتحول “الأجنبي” الذي يخيف به الحزب ناخبيه إلى مواطن كامل الحقوق بمجرد استكمال المسار القانوني: عمل، إقامة، ثم جنسية، ليجد نفسه—ببساطة—إسبانيًا مثل غيره، لا أقل ولا أكثر. وهنا تبدأ القصة في فقدان حبكتها، لأن الشعار الذي يعد بإقصاء المهاجرين يكتشف فجأة أن هؤلاء أنفسهم قد يصبحون جزءًا من “الأولوية” التي يدافع عنها، فقط لأن القانون يقول ذلك، لا لأن الخطاب السياسي يرغب فيه.
الأكثر إثارة للسخرية أن معيار “الأولوية” الذي يُسوَّق له لا يعتمد فعليًا على جواز السفر بقدر ما يعتمد على ما يُسمى “الارتباط بالأرض”، أي عدد سنوات الإقامة والتسجيل في البلدية. بمعنى أوضح: مغربي استقر في مدينة إسبانية لعشر سنوات قد يجد نفسه متقدمًا في قائمة السكن الاجتماعي على إسباني حديث العهد بالمدينة. هنا تحديدًا، يتحول الشعار من وعد سياسي صارم إلى مفارقة يومية، حيث تتفوق سنوات الاستقرار على الشعارات الصاخبة.
وإذا كان الحزب يقدّم “الأولوية الوطنية” كأنها اكتشاف جديد، فإن الواقع أقل حماسًا بكثير، لأن شروط الاستفادة من المساعدات في إسبانيا كانت دائمًا مرتبطة بالإقامة القانونية ومدتها، سواء تعلق الأمر بالدخل الأدنى أو المعاشات. الجديد الوحيد هو طريقة تسويق الفكرة، حيث تُعاد تغليف قواعد قديمة بخطاب أكثر حدّة، في محاولة لربح معركة سياسية أكثر منها قانونية.
وفي مشهد يكاد يبدو ساخرًا إلى حد التراجيديا، ينتهي شعار “الإسبان أولًا” إلى الاصطدام بحقيقة أكثر بساطة وأشد قسوة: القانون لا يصفق في المهرجانات ولا يرفع الشعارات، بل يُطبَّق على الجميع دون تمييز. هناك، في صمت النصوص، قد يجد المغربي الذي صُوِّر يومًا كخصم، نفسه متقدمًا في الصف، لا لأنه تحدّى أحدًا، بل لأنه فقط احترم القواعد وانتظر دوره. أما الشعارات، فتظل معلّقة في الهواء، تثير الضجيج حينًا، وتتبخر حينًا آخر، تاركة خلفها سؤالًا ثقيلًا: هل كانت المعركة أصلًا ضد المهاجر… أم ضد الحقيقة؟
وفي النهاية، يبدو أن “الإسبان أولًا” شعار يصلح جيدًا للمنصات الانتخابية، لكنه يتعثر بمجرد دخوله دهاليز القانون. فهناك، لا مكان للشعارات، بل للأرقام والسنوات والوثائق، وهي تفاصيل صغيرة كفيلة بأن تجعل مغربيًا مستقرًا منذ سنوات يتقدم، بكل هدوء، على إسباني وصل بالأمس… دون حاجة إلى كل هذا الضجيج.
22/04/2026