kawalisrif@hotmail.com

حين جاعت “الجمهورية الوهمية” … وكشف العدس إفلاس مشروع البوليساريو، وتبخّر الملايير في رمال تندوف

حين جاعت “الجمهورية الوهمية” … وكشف العدس إفلاس مشروع البوليساريو، وتبخّر الملايير في رمال تندوف

مرة أخرى، تكشف التقارير الأجنبية ما تحاول قيادة البوليساريو إخفاءه منذ عقود: “جمهورية الخيام”، التي بُني خطابها على الشعارات الثورية، لم تعد قادرة حتى على توفير الزيت والعدس لسكان مخيمات تندوف.

صحيفة إسبانية تحدثت، خلال الأيام الماضية، عن وضع “كارثي” داخل المخيمات الواقعة فوق التراب الجزائري، حيث نفدت مخزونات الغذاء، وتراجع الدعم الدولي، وبدأت المنظمات الإنسانية تدق ناقوس الخطر. لكن السؤال الذي يتجنبه الجميع يبقى بسيطًا ومحرجًا: أين ذهبت عشرات الملايين من المساعدات التي تدفقت، طيلة سنوات، باسم “اللاجئين الصحراويين”؟

منذ سنة 1975، يعيش سكان تندوف على المساعدات الإنسانية في وضع استثنائي طال أكثر مما ينبغي. خمسون سنة من “النضال”، والنتيجة أن 90 في المائة من السكان يعتمدون كليًا على المعونات الخارجية من أجل البقاء.

وتؤكد الصحيفة الإسبانية نفسها أن المخيمات تحتاج إلى أكثر من 100 مليون دولار سنويًا لتغطية الاحتياجات الأساسية، بينما لا يصل سوى نصف هذا المبلغ تقريبًا. أما الهلال الأحمر التابع لما يُسمى بالبوليساريو، فقد أعلن بصراحة أن مخازن الغذاء أصبحت شبه فارغة، وأن العدس والزيت اختفيا، ولم يتبق سوى كميات محدودة من الدقيق.

مشهد يلخص، بدقة، مشروعًا سياسيًا فشل حتى في ضمان الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للسكان المحتجزين في تندوف.

في الوقت الذي تشهد فيه الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية مشاريع استثمارية كبرى في الداخلة والعيون، من موانئ وطرق ومناطق صناعية، لا تزال “الجمهورية الوهمية” تبحث عن تمويل لمدرسة تمريض لا تتجاوز ميزانيتها 20 ألف يورو.

حتى هذه المدرسة، المهددة بالإغلاق، تعتمد بالكامل على تمويل الأمم المتحدة والوكالات الأجنبية. لا اقتصاد، ولا مؤسسات حقيقية، ولا بنية إنتاجية؛ فقط انتظار دائم لقوافل المساعدات القادمة من الخارج.

والأكثر إثارة للسخرية أن قيادة البوليساريو لا تتردد في الحديث عن “الاستقلال” و”بناء الدولة”، بينما سكان المخيمات ينتظرون شحنة زيت من الهلال الأحمر الجزائري لإنقاذ الحصة الغذائية الشهرية.

وأشار التقرير الإسباني إلى أن تقليص التمويل الأمريكي، بعد قرارات إدارة ترامب، تسبب في أزمة خانقة داخل المخيمات. وهنا ظهرت هشاشة المشروع بالكامل: فبمجرد انخفاض المساعدات، بدأت المدارس تُغلق، والغذاء ينفد، والقطاع الصحي ينهار.

وهذا يعني، ببساطة، أن الكيان الذي يُروَّج له منذ عقود لا يستطيع الاستمرار حتى لأسبوع واحد دون دعم خارجي.

وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في الصحراء المغربية، مع اعترافات دولية متزايدة بمغربية الصحراء، وافتتاح قنصليات أجنبية في العيون والداخلة، إضافة إلى مشاريع تنموية جعلت المنطقة قطبًا استراتيجيًا صاعدًا في إفريقيا.

المؤلم في كل هذا أن سكان المخيمات هم الضحية الحقيقية. أجيال كاملة وُلدت وكبرت داخل الخيام، تحت رحمة المساعدات الإنسانية، بينما تستمر القيادات الانفصالية في استثمار معاناتهم سياسيًا وإعلاميًا.

وعندما قرر دونالد ترامب إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، تسبب ذلك في أزمة تمويل داخل الأمم المتحدة، التي كانت تعتمد بنسبة 40٪ على التمويل الأمريكي. وقد انعكس هذا القرار مباشرة على السكان المعتمدين على هذه المساعدات، ومنهم الصحراويون.

وأصبحت بعض المواد الأساسية باهظة الثمن، مثل الخميرة التي تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد منها ستة دولارات، إضافة إلى تدني جودتها. كما تجاوز سعر كيلوغرام لحم الإبل أحد عشر دولارًا.

وفي المحصلة، يبدو أن “الجمهورية” التي وُعد الناس بأنها ستبني دولة في الصحراء، لم تستطع حتى بناء اقتصاد يمنع عنها أزمة العدس والزيت.

وفي المساء، حين تهدأ رياح تندوف وتغرق الخيام في ظلام الصحراء، يبقى السؤال معلقًا فوق الرمال: كيف تحولت “الثورة” التي وعدت الناس بوطن كامل السيادة إلى طابور طويل ينتظر كيس دقيق وعلبة زيت؟

خمسون سنة من الشعارات، والنتيجة أن “الجمهورية” ما تزال تبحث عن ميزانية لشراء المعاطف البيضاء لطلبة التمريض، بينما العالم من حولها يتغير بسرعة. هناك، في العيون والداخلة، تُبنى الموانئ والجامعات، وهنا، في تندوف، تُحصى أكياس العدس المفقودة وكأنها إنجاز دبلوماسي تاريخي.

إنها مأساة سياسية بنكهة عبثية: قيادة تتحدث عن “تقرير المصير”، فيما سكان المخيمات يحاولون فقط معرفة ما إذا كانت وجبة الغد ستصل أم لا.

وفي النهاية، قد تكتشف “جمهورية الخيام” متأخرة جدًا أن أخطر أنواع الجفاف ليس جفاف الصحراء… بل جفاف الحقيقة.

10/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts