في الوقت الذي يواصل فيه المغرب ترسيخ صورته كقوة إقليمية كبيرة تعتمد على التحديث العسكري الواقعي، والتكامل التكنولوجي، والشراكات الدفاعية المتقدمة، اختارت المؤسسة العسكرية الجزائرية أن تقدّم للرأي العام عرضًا من نوع آخر: صاروخ تائه، ولقطات مرتبكة، ومشهد دعائي انتهى كواحد من أكثر المقاطع العسكرية إثارة للسخرية في المنطقة.
المناورات الأخيرة للجيش الجزائري، التي كان يُفترض أن تُبرز “الجاهزية القصوى”، تحولت بسرعة إلى مادة دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما كشفت الصور الرسمية ، من حيث لا تدري ، حجم الفجوة التقنية والعملياتية التي تفصل سلاح الجو الجزائري عن الجيوش الحديثة.
الصدمة لم تكن فقط في فشل صاروخ في إصابة هدف بحري خلال تدريب رسمي، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي فضحت حجم التأخر داخل قمرة القيادة نفسها. ففي عصر تعتمد فيه مقاتلات مثل General Dynamics F-16 Fighting Falcon على أنظمة وعي ظرفي متطورة، وخوذات توجيه ذكية، ورادارات AESA، ودمج لحظي للمعطيات القتالية، ظهرت داخل قمرة Sukhoi Su-30 مرايا تقليدية “rétroviseur”، وكأن المشهد مأخوذ من أرشيف الحرب الباردة لا من جيش ينفق المليارات تحت شعار “التفوق العسكري”.
المفارقة الساخرة أن التلفزيون الرسمي الجزائري بثّ اللقطات بثقة كاملة، من دون أن ينتبه إلى أن المادة الدعائية تحولت عمليًا إلى تقرير بصري عن الأعطاب أكثر من كونها استعراض قوة. فبدل أن تُقنع المشاهد بصلابة الردع، كشفت هشاشة الصورة التي حاولت المؤسسة العسكرية تسويقها لسنوات.
وفي المقابل، يواصل المغرب بهدوء بناء عقيدة عسكرية مختلفة، قائمة على التحديث الحقيقي لا على الضجيج الإعلامي. فالقوات المسلحة الملكية لم تعد تراهن فقط على اقتناء السلاح، بل على تكامل الأنظمة، والتدريب المشترك، والجاهزية العملياتية، والتنسيق مع شركاء دوليين كبار، ما جعل الرباط تتحول تدريجيًا إلى فاعل عسكري يحظى بثقة متزايدة داخل محيطه الإقليمي والدولي.
الفرق بين الرباط والجزائر لم يعد يُقاس بعدد البيانات النارية أو حجم الإنفاق المعلن، بل بطريقة إدارة القوة نفسها. المغرب يستثمر في الكفاءة والدقة والاحترافية، بينما تبدو الجزائر وكأنها ما تزال عالقة في عقلية الاستعراضات الثقيلة التي تنتج دخانًا أكثر مما تنتج فعالية.
ولأن التفاصيل الصغيرة تفضح أحيانًا ما تخفيه الخطب الكبيرة، وجد كثير من المتابعين أنفسهم أمام سؤال ثقيل: كيف يمكن لميزانيات دفاع فلكية أن تنتهي إلى صاروخ لا يجد هدفه، وإلى قمرة قيادة تثير سخرية الإنترنت أكثر مما تثير هيبة الخصوم؟
المشهد بأكمله بدا وكأنه يلخص أزمة أعمق داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية؛ أزمة تتعلق بالفارق بين شراء المعدّات وبناء قوة عسكرية حديثة فعلًا. فامتلاك طائرات متطورة على الورق لا يعني امتلاك منظومة قتالية قادرة على إدارة معارك الجيل الجديد.
ولم يكن المغرب بحاجة إلى حملات دعائية أو ردود رسمية، لأن الصورة قالت كل شيء وحدها. التلفزيون الجزائري تكفّل بالمهمة كاملة: صاروخ يضيع في البحر، ومرايا داخل مقاتلة “متطورة”، ومشهد يختصر سنوات من الإنفاق الضخم الذي يبدو أنه نجح في صناعة الضجيج أكثر من صناعة الردع.
وفي زمن الحروب الذكية، لم تعد الموسيقى العسكرية ولا البيانات الحماسية تصنع الهيبة. الهيبة تُبنى بالدقة، والاحتراف، والتكنولوجيا، والثقة الدولية. أما عندما تتحول المناورات الرسمية إلى مادة للسخرية الإقليمية خلال ساعات، فالمشكلة لا تكون في الصاروخ وحده… بل في العقيدة التي أطلقته أصلًا.
