في خطوة تحمل أبعادًا أمنية وقضائية ثقيلة، صادق البرلمان الهولندي على اتفاقية جديدة مع المغرب لتسليم المطلوبين، في تحرك يعكس تحوّلًا واضحًا في مستوى التنسيق بين الرباط وأمستردام لمواجهة الجريمة العابرة للحدود، خاصة شبكات المخدرات والجرائم المالية والقتل.
وخلال جلسة برلمانية ساخنة عُقدت يوم 28 ماي 2026، ناقش النواب الهولنديون مع وزير العدل والأمن فان ويل تفاصيل الاتفاقية التي وُقعت بين البلدين سنة 2023، قبل أن تتجه نحو المصادقة النهائية، وسط جدل سياسي وقانوني واسع داخل هولندا.
ووفق المعطيات الرسمية، فإن الاتفاقية الجديدة ستُسهل تبادل المطلوبين بين المغرب وهولندا، كما ستسمح للطرفين بطلب تسليم أشخاص متابعين في قضايا القتل العمد والجرائم المالية، حتى في الحالات التي لا ترتبط بالجريمة المنظمة.
لكن النقاش داخل البرلمان الهولندي كشف أيضًا عن مخاوف متزايدة لدى بعض الأحزاب، التي اعتبرت أن الاتفاق قد يتحول إلى أداة لتوسيع المتابعات القضائية، بما يشمل حتى القضايا الأقل خطورة، وهو ما أثار انتقادات بشأن مستقبل الحريات والضمانات القانونية.
النائبة فابر عن حزب الحرية الهولندي أثارت نقطة حساسة تتعلق بالدستور المغربي، الذي يمنع تسليم المواطنين المغاربة، متسائلة عن مدى فعالية الاتفاقية في ظل هذا المعطى القانوني.
في المقابل، اعتبر النائب إليان عن حزب VVD أن الاتفاقية تمثل “خطوة متقدمة” في الحرب على الجريمة، مؤكدًا أن رفض المغرب تسليم بعض المطلوبين لا يعني إفلاتهم من العقاب، بل يفرض على السلطات المغربية متابعتهم قضائيًا داخل المغرب.
وزير العدل الهولندي فان ويل شدد بدوره على أن الاتفاقية ستجعل المجرمين يشعرون بأن المغرب لم يعد “منطقة آمنة” للاختباء من العدالة، مؤكدًا أن الحكومة تتوقع ارتفاعًا في طلبات التسليم والتعاون القضائي خلال المرحلة المقبلة.
وفي الجانب الحقوقي، طالب نواب بضرورة ضمان المحاكمة العادلة للأشخاص الذين سيتم تسليمهم، مع التشديد على احترام مبدأ عدم محاكمة أي شخص مرتين على الجريمة نفسها، وهو ما أكد الوزير أن الحكومة الهولندية ستلتزم به بشكل صارم.
كما أثارت الاتفاقية نقاشًا سياسيًا حول ملف “المتابعات ذات الطابع السياسي”، حيث شدد نواب من اليسار الهولندي على ضرورة عدم تسليم اللاجئين السياسيين إلى المغرب، فيما أكدت الحكومة أن كل طلب تسليم سيخضع لمراجعة قانونية دقيقة، خاصة في ما يتعلق باحتمال وجود دوافع سياسية.
ومن بين البنود المثيرة للانتباه أيضًا، اشتراط الاتفاقية أن تكون المدة المتبقية من العقوبة ستة أشهر على الأقل حتى يصبح الشخص مؤهلًا للتسليم، وهو شرط اعتبره بعض النواب “مرتفعًا”، بينما دافعت الحكومة عنه باعتباره حدًا عمليًا يمنع الإفراج المبكر عن المدانين.
ومن المنتظر أن يصوت البرلمان الهولندي بشكل نهائي على مشروع القانون يوم 9 يونيو المقبل، في خطوة قد تفتح صفحة جديدة في التعاون الأمني والقضائي بين الرباط وأمستردام.
وبين من يعتبر الاتفاقية “ضربة قوية لشبكات الجريمة الدولية”، ومن يراها بداية لتشدد قانوني عابر للحدود، تبدو الرسالة السياسية واضحة: زمن الاختباء خلف تعقيدات القوانين الدولية يقترب من نهايته، والتنسيق المغربي الهولندي يدخل مرحلة أكثر صرامة في ملاحقة المطلوبين.
29/05/2026