يبدو أن لجنة قضاة المجلس الأعلى للحسابات التي حلت بوكالة بحيرة مارتشيكا وشركة “مارتشيكا ميد” لم تأتِ في زيارة بروتوكولية عابرة، بل وجدت نفسها، بحسب مصادر من داخل الوكالة ، أمام جبل من الملفات والتساؤلات التي لا تنتهي، إلى درجة أن المهمة التي كان يُفترض أن تكون عملية افتحاص إداري عادية تحولت إلى ورشة تحقيق مفتوحة على احتمالات كثيرة.
فمنذ أسابيع، يلازم قضاة المجلس مكاتب قطاع التعمير، وكأنهم اكتشفوا منجماً من الوثائق والقرارات المتراكمة، حيث تتحدث مصادر من داخل الوكالة عن مئات الرخص التي تخضع اليوم للتدقيق، مقابل عدد أكبر من الملفات المرفوضة التي أصبحت بدورها موضوع مساءلة وتمحيص. والنتيجة أن الأسئلة باتت أكثر من الأجوبة، وأن الوثائق لا تنتهي كلما اعتقد المفتشون أنهم اقتربوا من نهاية الخيط.
وفي أروقة الوكالة، يتردد حديث عن قرارات تحتاج إلى تفسير، وأخرى تحتاج إلى تبرير، وثالثة تحتاج، ربما، إلى أكثر من ذلك. فكيف مُنحت بعض الرخص؟ ولماذا رُفضت أخرى؟ وهل كانت المعايير واحدة للجميع، أم أن لكل ملف قانونه الخاص وظروفه الاستثنائية؟
المثير في المشهد أن لجنة الافتحاص لا تبدو في عجلة من أمرها للمغادرة. فكل المؤشرات توحي بأن الأشهر المقبلة قد تكون حبلى بمزيد من التدقيق، وكأن القضاة اكتشفوا أن الطريق إلى الحقيقة أطول بكثير مما كان متوقعاً.
أما داخل الوكالة والشركة التابعة لها، فيبدو أن إيقاع الحياة قد تغير بشكل لافت. فبينما ينهمك المفتشون في قراءة الملفات، يتساءل متابعون عن أسباب تراجع الحضور الإداري للموظفين وعن مظاهر الارتباك التي أصبحت حديث المتتبعين. وكأن مجرد وصول قضاة المجلس الأعلى للحسابات كان كافياً لقلب الروتين اليومي رأساً على عقب.
والمثير للانتباه أن عدد موظفي وكالة مارتشيكا يُقدَّر بحوالي 42 موظفاً، من بينهم أطر عليا، فيما يُقدَّر عدد موظفي شركة “مارشيكا ميد” بحوالي 35 موظفاً. وبحسب مصادر جريدة “كواليس الريف” من داخل الوكالة ، فإن عدداً من الموظفين لم يعودوا يلازمون مكاتبهم أو يؤدون مهامهم داخل الوكالة والشركة بالشكل المعتاد، وأصبحوا يتجمعون في المقاهي وأماكن أخرى.
وفي الخلفية، تستمر الأحاديث والهمسات حول وجود موظفون يقدمون أنفسهم كأصحاب مفاتيح سحرية لحل الملفات العالقة وتسريع المساطر المعقدة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى الموظف المسمى قيس، الذي كان موظفاً شبح بوكالة تهيئة بحيرة أبي رقراق قبل أن تستقطبه المديرة العامة لوكالة تهيئة بحيرة مارتشيكا. ورغم كونه مكلفاً بموقع البحيرة، فإن مهمته الوحيدة مجالسة بعض المقاولين بمدينة الناظور بشكل يومي وعقد لقاءات معهم في أماكن مختلفة، مدعياً قدرته على تسوية ملفاتهم العالقة المتعلقة برخص البناء لدى الوكالة ، وأنه قادر على إيجاد حلول لمشاكل عدد من المقاولين المرتبطة بهذه الملفات.
اليوم، لا ينتظر الرأي العام فقط تقريراً تقنياً أو أرقاماً محاسباتية باردة، بل ينتظر أجوبة واضحة عن سنوات من التدبير والقرارات التي صنعت كثيراً من الجدل. فإما أن تنتهي المهمة بتبديد الشكوك وإعادة الثقة، وإما أن تكشف أن ما كان يُنظر إليه كمشروع تنموي واعد يخفي خلف واجهته أسئلة أكبر بكثير من مساحة البحيرة نفسها.
07/06/2026