kawalisrif@hotmail.com

الناظور :     دورة المجلس الإقليمي … اعتمادات ضاعت بين الدورات والولايات .. تقارير التفتيش تنبش في عشرين سنة من الأسئلة المؤجلة !

الناظور : دورة المجلس الإقليمي … اعتمادات ضاعت بين الدورات والولايات .. تقارير التفتيش تنبش في عشرين سنة من الأسئلة المؤجلة !

أعاد المجلس الإقليمي للناظور ، خلال دورة يونيو المنعقدة يومه الإثنين 8 يونيو الجاري، فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل والتساؤلات، لكن ليس بمبادرة ذاتية أو في إطار تقييم داخلي لمسار التدبير، بل بعد أن دفعت توصيات المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية بهذا الملف إلى واجهة النقاش. ويتعلق الأمر باعتمادات مالية وصفقات أُبرمت ما بين سنتي 2005 و2015، ظلت لسنوات طويلة معلقة بين الرفوف والدورات والولايات المتعاقبة، وكأن الزمن الإداري توقف عندها دون أن يتوقف أحد ليسأل عن مآلها. هذه الملفات التي صمدت أمام تعاقب المجالس والرؤساء والبرامج التنموية عادت اليوم لتفرض نفسها بقوة، بعدما قرعت أجهزة التفتيش جرس التنبيه وطرحت أسئلة كان يفترض أن تُطرح منذ سنوات، لا بعد مرور ما يقارب عقدين من الزمن.

ولئن كان عرض هذا الملف على طاولة النقاش يُحسب، من حيث المبدأ، في خانة تصحيح الاختلالات، فإنه يطرح في المقابل أسئلة ثقيلة حول الأسباب التي جعلت اعتمادات وصفقات ومشاريع تظل عالقة لأكثر من عقد من الزمن دون حسم أو معالجة، قبل أن تستيقظ فجأة على وقع تقارير التفتيش. فأي حصيلة يمكن الحديث عنها عندما تبقى ملفات مالية معلقة لسنوات طويلة؟ وأين كانت آليات التتبع والمراقبة والتقييم طوال هذه الفترة؟ وكيف يمكن تفسير بقاء التزامات مالية مرتبطة بصفقات يعود تاريخ بعضها إلى ما يقارب عشرين سنة دون تسوية نهائية أو توضيح للرأي العام؟

القضية تتجاوز مجرد أرقام واعتمادات ستُلغى أو يُعاد تخصيصها ضمن ميزانية سنة 2026، لتتحول إلى سؤال جوهري حول أسلوب تدبير الشأن الإقليمي خلال مرحلة طويلة من الزمن. فالمواطن لا ينتظر لغة المحاسبة الجافة، بل يريد معرفة ما إذا كانت المشاريع التي رُصدت لها الأموال قد أُنجزت بالفعل، وما إذا كانت الأموال العمومية قد حققت الأهداف التنموية التي خُصصت من أجلها. كما أن إعادة فتح هذه الملفات اليوم تعيد إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول فعالية منظومة الحكامة المحلية وقدرتها على تتبع المشاريع وضمان تنفيذ الالتزامات المالية داخل الآجال المعقولة.

وفي هذا السياق، يرى عدد من المتابعين للشأن المحلي أنه من الصعب فصل هذا الملف عن المسؤوليات السياسية والإدارية التي تعاقبت على تدبير المجلس الإقليمي خلال السنوات الماضية. فجزء مهم من هذه المرحلة ارتبط برئاسة سعيد الرحموني للمجلس الإقليمي لولايات متتالية، وهي فترة تستدعي بدورها التقييم والنقد والمساءلة السياسية والقانونية بشأن حصيلة التدبير ومآل عدد من المشاريع والالتزامات المالية التي ما تزال آثارها مطروحة للنقاش إلى اليوم.

غير أن ما يثير الاستغراب أكثر هو أن هذه الملفات لم تُطرح بالجدية المطلوبة إلا بعد سنوات طويلة من الجمود، وكأن الزمن الإداري داخل المجلس الإقليمي كان يسير بوتيرة مختلفة عن انتظارات الساكنة وحاجيات التنمية. فحين تبقى اعتمادات وصفقات عالقة لعقد أو عقدين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بإشكال تقني أو محاسباتي، بل يكشف عن أعطاب عميقة في الحكامة والتتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويطرح تساؤلات حول مدى نجاعة آليات المراقبة الداخلية التي كان يفترض أن ترصد مثل هذه الاختلالات قبل أن تصل إلى مرحلة التراكم.

ومن زاوية أخرى، يرى متابعون أن اختزال المسؤولية في شخص الرئيس وحده لن يكون كافيًا لتفسير كيف ظلت ملفات وصفقات واعتمادات مالية معلقة لأكثر من عقد من الزمن. غير أن ذلك لا يعفي الرئيس ومكتب المجلس من مسؤوليتهم السياسية، باعتبارهم الجهة التي كانت تقود المؤسسة وتقدم حصيلتها للساكنة في كل دورة وكل ولاية. فالمثير للاستغراب أن المجلس ظل يناقش برامج جديدة ومشاريع جديدة، بينما كانت ملفات قديمة تنتظر بصمت من يلتفت إليها، وكأن بعض الاعتمادات المالية حظيت بعمر إداري أطول من عمر عدد من المشاريع نفسها، إلى أن جاءت تقارير التفتيش لتفتح ملفات كان يفترض أن تُحسم منذ سنوات، لا أن تتحول إلى إرث ثقيل تتوارثه المجالس المتعاقبة.

بل إن المتابع للشأن المحلي قد يتساءل، بكثير من المرارة، كيف استطاع المجلس الإقليمي أن ينتقل من دورة إلى أخرى ومن ولاية إلى أخرى وهو يحمل على كاهله ملفات لم تجد طريقها إلى الحل لعشرات السنين. فإما أن هذه الملفات لم تكن ضمن الأولويات، وإما أن أحدًا لم يرغب في الاقتراب منها. وفي الحالتين تبقى النتيجة واحدة: مشاريع مؤجلة، واعتمادات معلقة، وأسئلة متراكمة ظلت تنتظر من يجرؤ على فتحها بدل ترحيلها من سنة إلى أخرى.

وإذا كانت الفرصة تبدو اليوم متاحة لتسوية هذا الإرث الثقيل، فإن كثيرين يعتبرون أن هذه الخطوة تأتي متأخرة جدًا بعد سنوات من الانتظار والتعثر. فالتنمية لا تُقاس بحجم الاعتمادات المرصودة في الوثائق والميزانيات، بل بما يتحقق على أرض الواقع من مشاريع وخدمات وفرص لفائدة الساكنة. كما أن قيمة أي إصلاح لا تكمن فقط في معالجة آثار الاختلالات، بل في منع تكرارها وبناء آليات تضمن عدم إنتاجها من جديد.

إن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة لن تتم عبر إلغاء اعتمادات قديمة أو إعادة برمجتها فحسب، بل عبر مصارحة الرأي العام بالحقيقة كاملة، والكشف عن أسباب التعثر، وتحديد أوجه القصور في التدبير، وتقديم ضمانات فعلية بعدم تكرار مثل هذه الاختلالات مستقبلاً. فالمحاسبة لا تكتمل بإغلاق الملفات، بل بفهم أسباب بقائها مفتوحة كل هذه السنوات.

ويبقى السؤال الذي ينتظر الرأي العام المحلي جوابًا واضحًا عنه: هل يشكل هذا الملف بداية فعلية لمرحلة جديدة من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، أم أنه مجرد محاولة متأخرة لإغلاق ملفات ظلت حبيسة الرفوف لسنوات طويلة، بينما كانت الساكنة تنتظر مشاريع وتنمية كان يفترض أن ترى النور منذ زمن؟

08/06/2026

مقالات خاصة

Related Posts